ربح أردوغان وخسرت تركيا

ربح أردوغان وخسرت تركيا

عريب الرنتاوي

حظي أردوغان بنصر غير ملتبس، في انتخابات أرادها شخصياً وأرادها خصومه، تصويتاً على المستقبل السياسي للرجل … لكنه بدل أن يدلي بخطاب المصالحة، وطي صفحة الحملات الانتخابية كما درجت عليه العادة في الديمقراطيات … رأيناه يواصل التهديد ويصعّد الوعيد، لخصومه ومعارضيه … سيدخل “عرين” هذا، ويقتحم “أوكار” أولئك … سيقضي على هذا الفريق، وسيوجه “صفعة عثمانية” لذاك … حالة من الاهتياج لم تتوقف طوال الأشهر الفائتة، والأرجح أنها ستتواصل في الأشهر القادمة كذلك.

فاز أردوغان، مدعوماً بأصوات المحافظين والقرويين والأرياف، الذين لم يأبهوا لحجب “توتير” أو لحرب رئيس حكومتهم على “يوتيوب” … فاز الرجل مستنداً إلى إرث من المنجز الاقتصادي – الاجتماعي، الذي تشير دلائل الاقتصاد التركي على أنه بلغ ذروته، وأنه بات في مرمى التهديد من جديد … فاز الرجل مستنداً إلى ميل شعبي ومجتمعي عميق، للاستقرار والاستمرار، وإرث يحتل ذاكرة الأتراك الجمعية، عن تجارب في حكم العلمانيين، مفرطة في غلوها وتطرفها، وأحزاب معارضة، تفتقد للرؤية والقيادة الكارزمية المقاتلة.

لكنه فوز لحزب ورجل، هو في واقع الحال، أقرب ما يكون للخسارة الوطنية الكبرى … تركيا لم تشهد استقطابات اجتماعية، من قومية ومذهبية، كتلك التي سبقت الانتخابات ومهدت لها وتحكمت بنتائجها … تركيا تستقبل “فيروس” الانقسامات المذهبية والقومية، التي تعصف بدول المنطقة العربية وكياناتها … وحدة تركيا الوطنية ونسيجها الاجتماعي، اهتز في سياق الانتخابات الأخيرة، كما لم يحصل من قبل.

صحيح أن غالبية تركية – سنيّة، مشدودة العصب المذهبي – والقومي، قد منحت أردوغان فوزاً كبيراً، مستجيبة بذلك لشعارات ونداءاته عن الأخطار المحدقة بالأمة والإسلام، ولصورته عن نفسه وحزبه، التي قدمها خلال طوفان المهرجانات الانتخابية الذي لم ينقطع، بوصفه المدافع عن الأمة والدين، في وجه “الخونة” والعملاء والجواسيس والعلمانيين وأذناب الإمبريالية والصهيونية … بوصفه المدافع عن المسلمين في سوريا وغزة ومصر، ضد الديكتاتوريين والقتلة …. لكن مآلات هذه الحملة الشعواء، جاءت وبالاً على تركيا ونسيجها الوطني والاجتماعي.

خسر “العدالة والتنمية” في مناطق الكثافة السكانية الكردية، ونجح الأكراد في أخذ زمام مناطقهم بأنفسهم، وكسبوا الرهان على الحزب الحاكم الذي كان يحقق اختراقات متتالية في صفوفهم …. خسر العلويين العرب بصورة شبه كاملة، إن لم نقل “مائة بالمائة منهم”، بعد أن اتجهوا بأصواتهم إلى حزب الشعب الجمهوري … خسر الكثير من أصوات العلويين الأتراك، الذين فضلوا الحركة القومية عليه وعلى حزبه الإسلامي … فبدا أن الرجل بخطابه السياسي والفكري وحملاته الانتخابية وحروبه المنفلتة من كل ضوابط على الآخرين، قد بات سببا في تأزيم التوترات المحلية والاستقطابات القائمة على الهويات الفرعية والثانوية.

والانتخابات المحلية، ليست بالنسبة لأردوغان سوى “عتبة” للوصول إلى انتخابات أخرى أكثر أهمية: الرئاسية والبرلمانية، والرجل بات مهيّئاً لخوض غمار الصراع على الرئاسة الأولى، شريطة أن ينجح في تعديل الدستور، ونقل صلاحيات الحكومة إلى “قصر شنقايا”، فإن أخفق في تعديل دستور البلاد، سيعمد إلى تعديل دستور حزبه، ليتمكن من خوض غمار الولاية الرابعة على رأس الحكومة، حيث تتجمع السلطات والصلاحيات حالياً … والأرجح أن معارك من هذا النوع، سوف تدفع أردوغان، لإعادة انتاج خطابه الشعوبي، الذي يتشكل من خليط قوموي–إسلاموي، يداعب فيه مخيلة الأتراك ونزعاتهم القومية والدينية العميقة … لكنه في المقابل، سيواصل “النخر” في نسيج المجتمع بمكوناته المختلفة، وقد يكتب التاريخ، أن الحزب الذي صنع معجزة تركيا الاقتصادية الحديثة، هو ذاته، الحزب الذي زرع الخراب في نسيج مكوناتها ووحدتها، في لحظة تاريخية، تتميز باشتداد هبوب رياح الفرقة والانقسام والهويات المذهبية والفرعية.

لعلها أول انتخابات، لا يطغى فيها “منجز” الحزب ووعوده على حملاته الانتخابية … لعلها أول انتخابات، تستند إلى المكانة المحورية لرجل واحد في الحزب … لعلها أول انتخابات، تطغى فيها “الأنا المتضخمة” لزعيم الحزب على رؤية الحزب وبرنامجه وتصوراته … والأرجح أنها الانتخابات، التي ستعزز ميل الرجل الفردية والاستبدادية، فمن يستطيع تحقيق تقدم انتخابي، وهو في ذروة حربه على الحريات والإعلام والقضاء، وفي ذروة غرقه في مسلسل الفضائح والتسريبات، لا يتعين عليه أن يقلق، بل ولماذا يرتدع أو يرعوي، طالما أن لديه “كتلة صماء ثابتة” من الأصوات، يستطيع أن يخوض بها غمار البحر، من دون تردد.

الخلاصة، أن تركيا ما بعد الانتخابات المحلية، ليست كما قبلها … تركيا بعد دزينة من سنوات حكم العدالة والتنمية ليست كما قبلها … تركيا التي ظنت أن لها سياقها الخاص، غير العربي، يبدو أنها باتت مصابة بفيروس الديمقراطيات المنقوصة والحكام المهجوسين بأحلام الزعامة الفردية والانقسامات التي ضربت كل دولة من دولنا، وكل مجتمع من مجتمعاتنا، وأعادتنا إلى عصور ما قبل الدولة وما قبل المجتمع، إلى عصور “المكونات الأولى” والهويات السابقة للهوية الوطنية الحديثة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث