«اللغة المتعبة»

«اللغة المتعبة»

سمير عطا الله

مر نصف قرن (جميل) على صدور أشهر مجلة نقد أدبي بالإنجليزية: «نيويورك ريفيو أوف بوكس». كانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد دخلت في إضراب دام نحو ستة أشهر، غاب خلالها ملحقها الأسبوعي حول الكتب الجديدة، فقررت مجموعة صغيرة من الأدباء، سد الفراغ بإصدار مجلة للكتب بشرط واحد: ألا تشبه ملحق «النيويورك تايمز» في عروضه التقليدية ومدائحه السطحية أو هجماته المبتذلة.

وضعت الإدارة المؤسسة أمامها على الطاولة سلسلة من كبار الأسماء ليقوم أصحابها بنقد الكتب. الشرط الأول: هناك تعابير مملة ومستهلكة لا يمكن القبول بها. منها تعبير «على الطاولة»، أو في «هذا الإطار» لأن الإطار يصلح لكوخ خشبي، أو عجل سيارات، ومنها «في هذا السياق» لأنه شرشح من كثرة استخدامه، ولأنه غالبا لا يعني شيئا لأحد.

لم تقرر المجلة استخدام لغة جديدة، بل قررت عدم استخدام «اللغة المتعبة». أي النقل والتكرار. وكم مرة في اليوم تسمع أو تقرأ «الآن الكرة في ملعبه»، أو «لا بد من القول»، «أو «بادئ ذي بدء». أنا لست مستعدا لأن أقرأ أو أسمع شيئا لا يعثر على مدخل آخر غير «بادئ ذي بدء».

ماذا تعني هذه الجملة التي يستهل بها الخطباء خطاباتهم؟ ماذا لو كان البادئ ليس ذا بدء؟ لغة غنية وآفاق ضيقة. فرضت «نيويورك ريفيو» أصولها اللغوية على كبار كتاب أميركا وبريطانيا. أعطت إدارة التحرير الحق في الاختصار والتعديل وتوضيح الجمل الغامضة. ورضخ لذلك أصحاب أشهر الأسماء في الرواية والنقد والفن. وتحولت المجلة نصف الشهرية إلى سابقة في عالم النقد والبحث. وتجاوزت بأشواط كثيرة ملحق «نيويورك تايمز لعرض الكتب». وصدرت في بريطانيا مجلة مقلدة هي «لندن ريفيو أوف بوكس» (1979). وفي رأيي الشخصي أنها تخطت «ملحق التايمز الأدبي» الذي ظل لعقود، مرادفا في أهميته وتأثيره، للصحيفة اليومية الأم.

قلدت «لندن ريفيو» الرائدة النيويوركية في الحجم والشكل ونوعية الورق البسيطة، وماثلتها في رقي البحث الأدبي وعمق النقد. ومثلها دخلت عالم السياسة من نوافذه العميقة. ومعهما لم تعد الأهمية للصحف «الوطنية» وحدها. وبينما تزدهر المجلات الأدبية في أميركا وإنجلترا تغلق مجلاتنا أبوابها ودفاتها. بعد «الآداب»، أغلقت مجلة «الآخر» التي أصدرها أدونيس في حلة فنية نادرة. لماذا تغلق المطبوعات العربية؟ لأنها عمل فردي يعتمد على مزاج متمول فرد. لكي تستمر «نيويورك ريفيو» وتعيش ذهبت إلى المساهمين. وقبل أن يشتروا سهما أوضحت لهم أن لا حق لأحد في فرض سياسته أو رغباته.

مغامرة صغيرة تركت لنا إحدى أجمل المطبوعات الفكرية والأدبية. كانت صيغة جديدة تماما في عالم قديم. عندما صدرت «وجهات نظر» المصرية في صيغة مشابهة، اعتمدت بالدرجة الأولى على مساهمات محمد حسنين هيكل. فلما استأذن بالانصراف فقدت، كالعادة، الرجل الواحد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث