هل أنت فاريل؟

هل أنت فاريل؟
المصدر: إنعام كجه جي

منذ أن أطلق فاريل ويليامز شريطه الغنائي المصور «هابي»، وشباب العالم يحملون كاميراتهم ويدورون حوله كالدراويش. لقد قصد المغني والمنتج الأميركي أن يسجل أغنية للتعبير عن السعادة، ونشر فيلما لها على «يوتيوب»، يبدو فيه وهو يرتدي قبعة وفراشة عنق (بابيون) ويرقص في الشوارع، ثم يفسح في المجال لأناس يرقصون حيثما كانوا. عشرات النساء والرجال من مختلف الأعمار، بيض أو سود، بُدناء أو مثل أغصان البان، أنيقين أو بثياب الرياضة، يسيرون بخطوات إيقاعية مرحة على الأرصفة، في ممرات مدرسة أو مستشفى أو محطة قطار، يعبرون عن الانطلاق والسعادة، وكأن لا همّ ولا أحزان في هذه الدنيا.

هناك دائما هموم ومآسٍ، مثلما أن هناك بشرا يريدون الهرب من الدمعة والتكشيرة، وينتظرون دعوة للفرح. وعندما جاءت الإشارة من العندليب الأميركي الأسمر، نهضوا من بؤسهم ونفضوا شراشف الأسى وساروا على وقع الأغنية، يضحكون ويرقصون ويهزجون ويلوّحون للكاميرا. صار يكفي، بلغة هذا العصر، أن تسأل شابا ما: «هل أنت فاريل؟»، فيفهم أنك تستفهم عن مزاجه ودرجة سعادته.

كأن شرارة من السعادة العصية مست العالم، ودارت حول الكرة الأرضية؛ إذ سرعان ما امتلأت الشبكة بالأفلام التي لبت النداء من مختلف القارات، من المدن والقرى والجزر والسواحل والجبال والصحارى والوديان. هبوا وارقصوا وليشاهد الكل بهجتكم. ويكفي أن تجلس، اليوم، أمام الشاشة، لكي ترى «خريطة السعادة العالمية» مرقطة بآلاف النقاط التي وصلت إليها حمى فاريل. ماذا تريد؟ استوكهولم؟ انقر على النقطة الواقعة في الشمال الأوروبي، وسيطلع لك القوم الشقر، وهم يتمايلون نظافا خفافا. انقر على داكار تجد أطفالا بلون الكاكاو ينطّون ويتدافعون من فرط السعادة.

حتى الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقصت في العرس، واتخذت قرارا بتحديد العشرين من مارس (آذار) يوما عالميا للسعادة، وأصدرت ستة طوابع تذكارية. إنه أول أيام الربيع، ومن حق الشعوب أن تؤجل نزاعاتها ليوم واحد، وتنصرف لأفراحها. وجاء في بيان الجمعية أن «السعادة هي هدف أساسي للإنسان، وترتبط بالعيش الكريم. وهي حالة ذهنية أو شعورية تُميّزها مشاعر إيجابية تتراوح ما بين الشعور بالرضا والجذل الشديد».

لندَعْ بدعة «الجذل الشديد» جانبا، ونبحث في الخريطة عن مدن العرب. لن تتفاجأ بأن شباب دبي كانوا من أوائل من بثوا فيلم سعادتهم على الموقع، ومثلهم العشرات من سكان تونس ومصر والجزائر والمغرب والأردن والكويت. وطبعا، كانت هناك ثلاثة أفلام من لبنان، وكأن سعادة واحدة لا تكفي للمّ شمل اللبنانيين جميعا. دبكة ودربكّة ونارجيلة وطربوش وطاولة زهر، ثم سيارات سباق ودراجات نارية ووشم وسراويل مثقوبة وتنورات قصيرة و«هيب هوب». كن سعيدا في الظاهر، واترك الباقي على الله.

أي «سوسة» قادتني للبحث عن مسقط رأسي فوق خريطة السعادة العالمية؟ كانت عشرات المدن تنضوي تحت حرف الباء؛ بالتيمور. بازل. بهاماس. باستيا. بكين. باكو. لكن لا وجود لبغداد بينها، ولا حياة لمن أُنادي. لعلهم يرقصون، هناك، من الألم، أو تشبثا بالحياة، لكن الويل لمن ينشر صورة سعادته المختلسة ويبثها للعالم. هذا تهتك لا يليق بدولة القانون، ثم إن العشرين من مارس (آذار)، اليوم العالمي للسعادة، حسب الأمم المتحدة، هو تاريخ الغزو الأميركي للعراق.

كيف تداوي هذا الجرح يا فاريل يا ابن ويليامز وكارولاين؟

*الشرق الأوسط
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث