ثقافة عشق الموت!

ثقافة عشق الموت!
المصدر: آمال موسى

إن المختصين في علم اللّغة يدركون جيدا أن اللّغة أكبر وأهم وأعمق من أن تكون مجرد أداة للتعبير. فهي – أي اللغة – نظام كامل للتفكير وشبكة مركبة من دال ومدلول ومنظومة زاخرة بالمعاني والرموز.

لذلك، فإنه إذا أردنا أن نعرف ثقافة شخص معين وآيديولوجيته وتصوره للحياة أو كما يصف ذلك في تعبير بليغ الألماني ماكس فيبر «النظرة إلى العالم»، فإنه يكفي أن نُدقق النظر في شقوق لغته والكلمات التي يستعملها أكثر من غيرها والمعاني ذات المستوى المركزي في معجمه الكلامي.

نعم كلام الشخص، مهما كان مُستبطنا وغامضا ومشفرا، فإنه يكشف عن طريقة تفكيره ومرجعيته ونظرته للأشياء.

في ضوء هذه المقاربة للغة، كيف يمكن قراءة ما صرح به السيد إسماعيل هنية عندما قال: «نحن قوم نعشق الموت كما يعشق أعداؤنا الحياة»؟ وما هي المرجعية الثقافية، التي تتعاطى مع الموت من بوابة العشق؟ ثم هل صحيح أن الموت الذي وُصف في كتابه العزيز بالمصيبة والذي شكل المعضلة الكبرى في الحياة ومن أجله ابتكر الإنسان لنفسه أشكالا أخرى من الخلود (ابتكار الفن مثلا)، يُواجه بها قدر الموت المحتوم.. هل صحيح أنه يمكن أن يكون موضوعا من مواضيع العشق؟

إننا أمام أعلى درجات الحب: العشق.

كما أننا أمام أكثر معضلات الإنسان الوجودية: الموت.

إذن تصريح إسماعيل هنية يبدو أنه ينطوي على مفارقة صادمة ويجمع بين مدلولين متنافرين ولا ينتميان إلى السجل الرمزي نفسه.

نعتقد أن هذه الجملة الصادمة يمكن قراءتها نفسيا وثقافيا وسياسيا. فعلى المستوى النفسي هناك نوع من الإيهام، يُعبر عن تبني استراتيجية دفاع مغلوطة، ذلك أنها مع كل ما توحي به، مغالطة، من مكابرة واعتداد بالنفس وإظهار للثقة بالنفس إلا أنها في حقيقة الأمر تكشف عن حالة من اليأس والإحباط. بل إننا لا نبالغ إذا قلنا إن هذه المجاهرة بعشق الموت تمثل نوعا من الانتحار الرمزي.

أما ثقافيا، فإننا نسجل هيمنة الثقافة الأبوية وسلطة الجماعة في خطابه، والحال أن حالة العشق المشار إليها لا يمكن أن تكون إلا شخصية وفردية خلافا لظاهرة عشق الحياة التي تقوم على إجماع إنساني مشترك علنيا وضمنيا.

كما أن الإعلان عن عشق الموت من طرف قائد حركة حماس، يُعبر عن تأثير آيديولوجي وفهم خاطئ للمرجعية الدينية الإسلامية وإحالة تاريخانية متعالية على الواقع في ارتباطها الضعيف والمتعسف بمفهوم الجهاد ذي الشروط الزمنية التاريخية الماضية.

لذلك فنحن أمام لغة مؤدلجة لطالما أسهم تأدلجها المفخخ بالعنف في التسبب في صراعات مع إسرائيل وفي تمكين الأخيرة من أدلة ضدنا وضد الثقافة العربية الإسلامية وتسويقها في الرأي العام العالمي. ثم إلى أي حدّ يمكن أن يكون السيد إسماعيل هنية ناطقا رسميا باسم الشعب الفلسطيني وهو يُعبر بنبرة عالية عن عشقه للموت؟ هل يعني هذا أن الفلسطيني عاشق للموت؟

أعتقد أن الشعب الفلسطيني ككل شعوب العالم عاشق للحياة، وإلا لما كان هناك من داع لأي نضال أو مفاوضات أو لتوظيف أي آلية من آليات الدفاع عن الوجود.

إن لغة الموت وثقافته لم تجلبا للفلسطينيين وللعرب نتائج يمكن أن يعتد بها. ذهب دم فلسطيني وعربي كثير وغزير وعشش الحزن طويلا في قلوب لا يمكن حصرها ولا عدّ دمعاتها.

إن خطاب عشق الموت هو الموت نفسه.

طبعا سياسيا، من يتبنى مثل هذا الخطاب عادة ما يكون في حالة عزلة وحصار، وهو ما تعيشه حركة حماس، حيث إن القضية الفلسطينية في وضع استراتيجي إقليمي ودولي ضعيف ووضع حركة حماس أكثر ضعفا وعزلة، خصوصا بعد تأزم حركات الإخوان المسلمين.

ولكن ليس من المسؤولية في شيء أن يُقدم سياسي خطابا انفعاليا مهزوما وعدميا في مضمونه ورسالته. فالسياسي هو من يُقدم الحلول والقادر على مفاجأة شعبه وأتباعه برجاحة عقله وحكمته السياسية لا أن يكتب بفخر واعتزاز شهادة موتهم، خصوصا أن مناسبة إحياء ذكرى اغتيال عدد من قيادات حماس في حاجة أكثر من أي مناسبة أخرى لإعلان عشق الحياة والمستقبل لا إحياء ذكرى الاغتيالات بخطاب عشق الموت.

كم كان سيسجل السيد إسماعيل هنية هدفا رائعا ضد خصومه لو قال بنفس الحماسة والنبرة العالية: «نحن نعشق الحياة أكثر مما يعشقها أعداؤنا». بهذه الفلسفة الحياتية والثقافة السياسية فقط، كان يستطيع حتما أن يسجل أهدافا قوية وفنية سياسية في مرمى إسرائيل وأيضا من يعتقد أنهم خصومه آيديولوجياً وسياسياً.

وهكذا، فقط كذلك، يبعث برسالة إيجابية للعالم وللفلسطينيين العاشقين للحياة، والذين ملوا أشكال الانتحار كافة.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث