كل شيء على الجسر

كل شيء على الجسر
المصدر: خالد القشطيني

تلعب الجسور في البلدان النهرية كالعراق ومصر دورا كبيرا في اقتصاد وتاريخ وتراث هذه البلدان.

جرت عليها معارك عسكرية رهيبة كمعركة الجسر التي خاضها المسلمون على نهر الفرات عام 634 بقيادة أبي عبيد الثقفي وقتل فيها ومعه نحو أربعة آلاف شهيد. وقيل إن عمر بن الخطاب بكى على المنبر عندما ورده نبأ الهزيمة.

وفي عهدنا هذا جرت مذبحة الجسر عام 1948 أثناء وثبة الشعب العراقي ضد حكومة صالح جبر، وقتل فيها جعفر، أخو الشاعر الجواهري.

ما زلت أتذكر مواكب الهوسات الشعبية وهي تنشد:

عالجسر! عالجسر، الدقة صارت عالجسر! شبان ماتوا عالجسر.

واعتاد الخلفاء العباسيون على تعليق من يعدمونه على رأس الجسر عبرة لمن يعتبر، كما فعلوا مع الوزير عز الدولة الذي أبّنه الشاعر الأنباري بقصيدة شهيرة:

علو في الحياة وفي الممات

لحق أنت إحدى المعجزات

بيد أن للجسور أيضا مكانة مختلفة في قلوب الجمهور، أقصد بها المكانة العاطفية. فالغانيات اعتدن على استعراض حسنهن بالسير على الجسور، ألم تثر إحداهن قريحة الشاعر علي بن الجهم فقال هذا البيت الشهير:

عيون المها بين الرصافة والجسر

جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

وكان هناك مقهى بجانب رأس الجسر يتفرج عليه العابرون، ويتفرجون هم بدورهم على من يعبرن ويعبرون، كان معروفا في بغداد باسم قهوة الجسر.

ترتب على ذلك الكثير من الأشعار والأغاني. شاع منها ما ورد على لسان المرأة التي تقع بهوى أحدهم.

كما حصل لهذه الفتاة الأردنية على جسر اللنبي فوق نهر الأردن:

يا عين موليتين واثناعش موليّه

جسر الحديد انقطع من دوس رجليّ

ما أريد منه شغل، بس يقعد قبالي!

بيدي أجيب له الخبز وأجيب له الميّه

غنتها في الأردن مطربة البادية سميرة توفيق وسمعتها من المطرب العراقي إحسان الإمام.

وهذا مفترق طريف، فالمعتاد بأغاني الشوق أن ترد من ألسن العشاق الذكور ولكننا نرى هنا امرأة تتشجع فتعبر عن عواطفها، وهو ما فعلته امرأة أخرى راحت تذرع جسر الفرات ذهابا وإيابا لمجرد التفرج على الشباب في المقهى:

جسر الحديد انقطع من دوس رجليّ

صعدت فوق الجبل وشفت لمتهم

كلهم عمايم خضر، يا ما أحلى قعدتهم

يمتي يصير العصر وأصير كنتهم

والبس هدوم العرس وحنّي إيديّ

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث