الشرعنة البائسة للاحتلال

الشرعنة البائسة للاحتلال

خيري منصور

من أغرب التعليقات التي قرأتها هذا الاسبوع عن استفتاء القرم واعادتها إلى الحضن الروسي الذي انفصلت عنه عام 1954 لاسباب سوفيتية، ما كتبه ناحوم برنباع في صحيفة ايديعوت. فقد قال ان ساسة إسرائيل يحسدون فلاديمير بوتين على هذه الخطوة الجريئة، ويتمنون لو يفعلون ما فعل في غزة والضفة الغربية معاً بحيث تحتلهما إسرائيل دونما حاجة إلى استفتاء مماثل، لكن هذا الحسد يشوبه الكثير من الحذر، لان إسرائيل ليست متأكدة تماماً من ان بوتين سيفوز بما أنجز.

الغرابة في هذا التصور ليست في المقارنة بين احتلال وآخر، فتلك مسألة أخرى، ولها مقتربات مضادة لما قدمه الكاتب ناحوم، تكمن الغرابة في اطلاق صفة المحتل على بوتين، ومن يطلقونها هم آخر من يحق لهم الكلام في هذا السياق لأنهم محتلون ومعتدون وأداتهم لتحقيق اهدافهم هي الابادة العرقية، سواء كانت عضوية أو معنوية، فالتهويد والعبرنة هما شكل من أشكال الابادة.

وإذا كان هناك طرف في إسرائيل يسعى إلى شرعنة الاحتلال من خلال نماذج أخرى، فان هذا القياس خارج المنطق هو آخر احتلال في التاريخ تبعاً للتعريف الدقيق للاحتلال خصوصاً عندما يكون مصحوباً باستيطان، وتكون الاداة هي الدبابة والجرافة، واحدة تقتل والاخرى تقتلع وتستوطن!

أذكر ان نتنياهو كتب في مذكراته وهي بعنوان مكان تحت الشمس ان استراتيجية إسرائيل تفرض على من يقودها أن يستثمر أية فرصة في العالم، وعلى سبيل المثال أن يكون العدوان والتمدد العسكري متزامناً مع أزمة دولية تشغل الرأي العام وما كتبه نتنياهو لا يفتضح فقط اسلوب تفكيره، بل يفتضح المشروع الصهيوني برمته، لأنه تأسس على المخاتلة والخداع والتمويه، لهذا سمي جيش الهجوم بجيش الدفاع.

انسجاماً مع تسمية الجلاد ضحية، لكن هذه اللعبة أنهى التاريخ صلاحيتها وأفاق العالم من الغيبوبة السياسية التي أتاحت لإسرائيل ان تتلاعب بالمفردات، وتتقن تبادل الادوار بحيث يصبح المشهد كله حفلة تنكرية!

إذن، وفي ضوء ما كتبه ناحوم فان إسرائيل تبحث عن ضمانة أو بوليصة تأمين دولية كي تحتل كامل الضفة والقطاع، وهذا ما يجعل الحسد لديها مشوباً بالحذر والخوف من العواقب.

إن للاحتلال تعريفاً واحداً لا مجال للتلاعب به أو ابتكار صيغ جديدة له، وحين تسعى إسرائيل إلى عقد مقارنات بين ما تمارسه وما يحدث في أي مكان في العالم فذلك مجرد احتيال وتعويم، الهدف الاخير منه هو التضليل والبحث عن شرعية مفقودة، وستظل مفقودة إلى الابد.

وهناك مفارقة تختصر المسألة كلها، هي ما قاله نتنياهو عشية رحيل نلسون مانديلا ولو كان لديه ولو قليلا من الخجل لما قاله، فالحرية هي في عقل آخر ومكان آخر، ولا صلة لها بمن شيدوا بيتاً على أطلال بيوت الآخرين!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث