القناع وما وراء القناع

القناع وما وراء القناع

خالد القشطيني

استعار أهل فينيسيا (البندقية) خلال القرون الوسطى من قدماء الإغريق بدعة استعمال «القناع» mask. وهو غطاء من القماش أو المقوّى بالشكل المطلوب يضعه الشخص على وجهه فلا تعرف هويته. شاع استعماله في الحفلات والمهرجانات. ومن فينيسيا انتقل لبقية الحواضر الأوروبية بما تمخض عن مشاهد ظريفة في أدبهم المسرحي. كان بإمكان الرجل أن يخفي وجهه، بوضع قناع بشكل أسد أو ذئب أو عفريت مخيف. وكانت المرأة تخفي وجهها بوضع قناع على شكل غزال أو قطة أو لبوة، وهكذا. يراقصها الرجل من دون أن يعرف حقيقة هويتها حتى يكتشف في نهاية الحفلة أنها كانت عجوزا شمطاء!

بيد أن الفينيسيين توصلوا في الأخير إلى استعمال القناع في مفاوضاتهم السياسية والدبلوماسية. يجلس كل شخص مفاوض وعلى وجهه قناع بشكل أسد أو ثعلب أو عفريت. ويجلس أمامه ممثل الطرف الآخر وقد وضع على وجهه قناعا بوجه فيل أو دبٍّ أو تمساح، يتحادثان ويتناقشان من دون أن يرى أحدهما وجه الآخر الحقيقي. وبعد أن يجري الاتفاق ويوقعا على الاتفاقية ينزعان القناع عن وجهيهما.. ويا للهول!

خطر لي ذلك بعد قراءة كتاب علي الوردي عن ازدواجية الشخصية العراقية. رأى أن كل شخص يظهر أمامك بشخصية مزيفة تخفي وراءها الشخصية الحقيقية. ويقول لك شيئا ويضمر في قلبه شيئا آخر. فرسمت عددا من اللوحات الزيتية لأبناء العراق تقوم على استعمال القناع. كان منها لوحتي المعروفة باسم «أمتي» تظهر فيها مجموعة من المواطنين وقد أخفوا وجوههم وراء أقنعة ظريفة.

بيد أن ما قاله الوردي عن العراقيين ينطبق في الواقع على سواهم. يطلق الإنجليز على ذلك كلمة «hypocracy»، يجاملك في الكلام ويخفي حقيقة رأيه فيك. يقول إنه يعارض بشدة أي تمييز عنصري. ولكن حاول أن تخطب ابنته إذا كنت أسود البشرة!

تجري الآن شتى المفاوضات المصيرية بشأن فلسطين وسوريا، وبين الأكراد وبغداد، وفي ليبيا، حيث عاد القوم لأيام الجاهلية. خطر لي أن من المعقول والعملي أن يستعير المفاوضون من تراث فينيسيا هذا الأسلوب في التفاوض. يضع مثلا نتنياهو على وجهه قناعا مصنوعا من الدولارات الأميركية بشكل حمَل أو بلبل أو حمامة سلام. ويضع المفاوضون الفلسطينيون على وجوههم أقنعة خاصة بشكل سباع ضارية أو فهود عاتية أو نمور مكشرة أنيابها شاهرة مخالبها. بالطبع سيعرف نتنياهو حقيقة وجوههم، ولكن هذه الأقنعة الباسلة لا بد أن تعطيهم بأسا وشجاعة في التفاوض، فيتصورون أن لهم فعلا مخالب وأنيابا ضارية.

وماذا عمن باعوا ولاءهم لإيران مثلا؟ أقترح عليهم أن يلبسوا أقنعة بوجوه المثنى وخالد بن الوليد تصديقا لما يتشدقون به عن العروبة والوطنية. هكذا يمكن أن تقوم صناعة ضاربة لصنع الأقنعة، يحمل كل سياسي ودبلوماسي وزعيم وطني مجموعة يختار منها ما يطيب له ويناسبه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث