النموذج الخليجي الأول

النموذج الخليجي الأول

سمير عطا الله

عربيا، احتضنت الكويت الجزء الأكبر من الشتات الفلسطيني، إضافة إلى آلاف القادمين من مصر ولبنان وسوريا وبعض الخليج الذي لا يزال غير ميسور. وقررت أنه مهما اختلف العرب، فإن لها دورا واحدا، هو الوساطة بين المختلفين. وفي العلاقات الدولية، أقامت علاقات سياسية مع الشرق، بينما ظل الغرب شريكها الاقتصادي الأول. وبادرت في هدوء إلى توطين أعمال النفط. وبنت اقتصادها ونقدها على أسس حديثة، مستعينة بأفضل الخبرات العربية ومنها الرئيس سليم الحص. وأقامت صندوقا خاصا للمساعدات والمشاريع العربية. وبسطت معاهد الثقافة والتعليم. وفتحت الباب أمام الصحافة. وشجعت المسرح والفنون. واستعانت في ذلك بكبار الأساتذة المصريين.

تحركت في الخليج وفي العالم العربي في سبيل كل مصالحة، غالبا في صمت. وكان وزير خارجيتها الشيخ صباح الأحمد يحمل هدوءه وتواضعه ودبلوماسيته إلى كل مكان. وعندما انقض العراق على جواره، كان العالم قد نسي أن الكويت دولة نفطية، وارتسم في ذهنه أنها دولة عمل وقانون ونجاح، وخلق سياسي ونزاهة قومية رفيعة.

وقف العالم أجمع ضد عملية الخطف. لم يكن عند الأرجنتين، في آخر الأرض، سوى بارجة حربية فأرسلتها. قدمت لها السعودية إقامة الحكم، ووقفت معها الجامعة بأكثريتها، والأمم المتحدة بشبه الإجماع، ورد السوفيات مبعوث العراق إلى بغداد ومعه نسخة أصلية من معاهدة الصداقة بين البلدين.

بعد محنة الغزو انكفأت الكويت إلى نفسها تتأمل ما لقيت من الفاعل وممن – وهو الأسوأ – أيدوه. قبل أسبوعين كنا ننتظر في نيويورك انتهاء فترة نقاهة أمير الكويت لكي نقوم بواجب التهنئة. لكن طبيبه الخاص، الدكتور سامي هاشم، قال إن الشيخ صباح تجاهل نصائح جميع الأطباء وقرر العودة من أجل القمة.

تستعيد الكويت دورها البناء في عالم عربي أكثر اضطرابا من أي مرحلة مضت. في الماضي، كان الانقسام يمزق الأمة، لكن الشعوب تبقى ملتصقة بقضاياها وهمومها وآمالها. الآن يمزق الانقسام العقول والأفئدة. والخليج يحاول سد الأبواب في وجه الرياح الهابّة من البر والبحر والداخل. المؤامرة التي كشفت في الإمارات لا يزال حجمها لا يصدق. عندما تحدث الفريق ضاحي خلفان أول مرة عن دور الإخوان، ظنت الناس أن ذلك جزء من منابره. عندما كرر الحديث، أدركنا أن ثمة قضية أوكلت إلى رجل عسكري يعرض مداها على الداخل والخارج.

في أي حال، تبقى الكويت دولة الوساطات والمصالحات ونموذجا في الألفة والنزاهة الوطنية. الفرقة ليست أخلاقية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث