الاستمرارية السياسية

الاستمرارية السياسية

خالد القشطيني

كثيرا ما يغيب عن الأذهان أن قانون الاستمرارية الذي يسري في علم الفيزياء يسري أيضا في علم السياسة. نجد تطبيق ذلك في استمرار أنماط سلوك عهد مضى وانقضى، في العهود التي تليه. فكثير من المشاكل التي عانت منها بعض البلدان العربية، وخاصة العراق، تعود إلى تركة العهد العثماني الذي ما زال الكثير من سننه يطبق ويتبع بعد زوال حكم العثمانيين منذ ما يقرب من مائة عام.

جرى مثل ذلك في روسيا. فديكتاتورية ستالين وفظاظته كانت استمرارا لسلوك العهد القيصري الذي جاء البلاشفة للقضاء عليه. ولكنهم برروا ذلك بإعادة تسميته باسم ديكتاتورية البروليتاريا بدلا من الديكتاتورية القيصرية.

وجاء الليبراليون أولا بقيادة غورباتشوف والآن بقيادة بوتين وأسقطوا ديكتاتورية البروليتاريا. ولكن هل استطاعوا حقا تنظيف روسيا من أساليبها؟ لا يبدو ذلك، فالكثير من المفكرين راحوا يهاجمون الحكم الاستبدادي في روسيا وتصديه للحريات الفكرية والشخصية. قالوا «حكم بوتين يشبه فصلا من فصول الروائي جورج أورويل (يقصد رواية «1984»). جاء ذلك على لسان الكاتب الروائي الروسي ليودمتا يولتسكايا في رسالة مفتوحة نشرتها الصحف العالمية. قال: «أعتقد أن من حق وسائل الإعلام أن تسأل عن كل ما جرى في الماضي وما يجري في الحاضر وما قد يخبئه المستقبل».

جاء ذلك على هامش قيام السلطات الروسية بغلق قناة «مطر» التلفزيونية لمجرد أنها شككت في أسطورة بطولة لينينغراد في صمودها خلال الحرب العالمية الثانية، فتساءلت هل يبرر إنقاذ تلك المدينة هلاك ألوف المواطنين جوعا وقتالا فيها؟

تزامنت هذه الرسالة المفتوحة الموجهة أساسا إلى الكرملين مع الاحتجاج العالمي الذي وقّعه مائتا كاتب من كبار المؤلفين في العالم، كالروائي الألماني الشهير غنتر غراس والكاتبة الروائية الإنجليزية مرغريت أتويد، احتجاجا على سلوك السلطات الروسية في قمع الحريات الشخصية للمواطنين في اختيار نوع الحياة الذي يبغونه والتعبير عن أفكارهم بشأنه. ديكتاتورية ستالين كانت استمرارا لديكتاتورية القيصر، وديكتاتورية بوتين جاءت استمرارا لقمع السوفيات.

جاء كل ذلك كحلقات إضافية لسلسلة من شكاوى المثقفين والمفكرين الروس والمهتمين بالشؤون الروسية مما تقوم به السلطات الروسية في تنفيذ توجيهات الرئيس الروسي، وهذا بالإضافة لشكاوى أخرى نسمعها مرارا وتتعلق بما تمخض عنه النظام الجديد من الفساد والإثراء المفاجئ على حساب الفرد والدولة. وكله مما يجعل سرقات العراق مجرد سلاطة صغيرة بالنسبة للسرقات التي جرت في روسيا.

وهذا ما قصدت التعبير عنه والتحذير منه. سُنة الاستمرارية تجعل أي عهد جديد يواصل سنن العهد القديم، أو ما يسمونه بالعهد البائد، التي ثار ضدها، بصورة لا إرادية ولا شعورية. كل هذا التقاتل العشوائي والطائفي الجاري في الشرق الأوسط، وبصورة خاصة في العراق، هو أيضا ترديد لما كنا عليه في أيام البداوة الحرة قبل العهد الملكي الذي أقامه الانتداب البريطاني والوصاية البريطانية علينا. زالت الوصاية علينا فعدنا إلى ما كنا عليه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث