صراع أصحاب الحقائق المطلقة

صراع أصحاب الحقائق المطلقة

عمرو حمزاوي

هنا جزم بأن مواجهة الإرهاب والعنف تبرر انتهاكات الحقوق والحريات وتعقب المعارضين وتجاهل الضمانات القانونية وتعطيل السياسة. وهناك جزم بأن السبيل الوحيد «لإعادة الشرعية» هو التعبئة المتصاعدة للانصار وللمؤيدين ودفعهم إلى الاصطدام المستمر بالدولة ومؤسساتها وأجهزتها دون مبالاة بالدماء أو الضحايا.

هنا نزع لكامل الإنسانية عن «العدو» الذي صار الإخوان وحلفاؤهم يجسدونه وتهيئة للرأي العام لتجاهل انتهاكات حقوق الإنسان التى تطولهم ولتقبل عقابهم جماعيا دون تمييز بين أرباب العنف والمحرضين عليه وبين آخرين يلتزمون السلمية ولا يخرجون على القانون.

وهناك نزع لكامل الإنسانية عن الدولة ومؤسساتها وأجهزتها والعاملين بها على نحو يدفع بعض الموتورين إلى الاحتفاء الإجرامي بالأعمال الإرهابية التي تسقط ضحايا من ضباط وجنود القوات المسلحة والشرطة المصرية ورقص صاخب على دماء وجثث وأشلاء.

هنا ادعاء دائم بأن أصوات الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان تمثل «خلايا نائمة» للعدو الإخواني وتعمل ضد مصلحة الوطن الذي لن يأتي باستقراره إلا الحل الأمني ورئاسة المرشح المحتمل ذي الخلفية العسكرية، ومن ثم تغتال هذه الأصوات معنويا وتصنع الصور الذهنية السلبية عنها وعن إجرام ـ رومانسية ـ لا معقولية مطالبتها الآن بالحقوق والحريات.

وهناك ادعاء دائم بأن فقط الإخوان وحلفاءهم هم «أولياء الدم» حين الإشارة إلى الديمقراطية وقيمها وإجراءاتها، وتعميم لاتهام التنازل عن الديمقراطية وتأييد تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة وعسكرة الدولة والمجتمع على جميع نخب اليمين واليسار (التي ترفع لافتات المدنية والليبرالية والديمقراطية) دون تمييز بين الشريحة العريضة التي تورطت بالفعل فى ذلك (قبل وبعد يوليو ٢٠١٣) وبين المجموعة الصغيرة التى رفضت وتمسكت بقناعاتها الديمقراطية وكانت الأسرع إلى إدانة انتهاكات الحقوق والحريات دون معايير مزدوجة.

فتصير أصوات الديمقراطية وسيادة القانون والحقوق محل تخوين وتشويه وهجوم مستمر من المتصارعين على الحقائق المطلقة، وكأن هذه هي نقطة الاتفاق الوحيدة بينهم.

هنا غياب كامل للنقد الذاتي وللمراجعة إن بشأن كفاءة الحلول الأمنية بمفردها أو بشأن إمكانية احترامها للعدل وللقانون وللحقوق وللحريات كى لا تنتشر جغرافيا العنف في المجتمع أو بشأن ضرورة المزج بينها وبين الحلول السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وهناك غياب كامل أيضا للنقد الذاتي وللمراجعة إن بشأن دفع مصر منذ مارس ٢٠١١ إلى الاستقطاب أو بشأن خطايا الاستعلاء على شركاء السياسة والمجتمع خلال الفترة الممتدة من ٢٠١١ إلى ٢٠١٣.

وهنا وهناك لا استعداد للاعتذار عن انتهاكات حقوق الإنسان والحريات التي تورطوا بها، ولا عن التحول الديمقراطي الذي قضي عليه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث