3 نقاط.. 4 تعجب.. 5 استفهام.. وبعد

3 نقاط.. 4 تعجب.. 5 استفهام.. وبعد

سمير عطا الله

أنشأ رئيس الوزراء اللبناني الراحل الدكتور عبد الله اليافي، أواخر الخمسينات، صحيفة سماها «السياسة» يخوض بها معاركه، بدل إنشاء حزب وتحمل تبعاته ولجاجة أعضائه. سلم رئاسة التحرير إلى الزميل أسعد المقدم، الذي كان يؤمن، صادقا، أن الوحدة العربية تنتظره عند الافتتاحية التالية. أو التي بعدها.

كان أسعد يكتب كل يوم، والرئيس اليافي مرة في الأسبوع، وفق هيبة تقاليد واعتبارات الرئاسة. عندما تتصادف الافتتاحيتان في يوم واحد تقع مطابع «السياسة» في مشكلة. فالرجلان يستخدمان الكثير من علامات النقاط والتعجب، وهذه كان عددها محدودا في «صندوق الأحرف». ذات مرة وجد أسعد عامل الصف أمامه يرجوه خفض علامات التعجب في مقالته «لأننا بحاجة إليها في افتتاحية البيك».

ظل أسعد عقودا يروي حكاية الأزمة التعجبية، والحقيقة أن ما نسميه «علامات ترقيم» لم يكن موجودا في أصول اللغة، بل وصل إلينا من اللغات الأخرى مع الترجمات، من علامات تعجب وفواصل وعلامات استفهام وسواها. في مصر استخدم إحسان عبد القدوس أسطرا من النقاط لكي يوحي لنا بأن ما يريد أن يقوله لا يقال.

وطغت على الصحافة المصرية آنذاك موجة النقاط المتلاحقة. كل كلمة خلفها نقطتان.. وكل نقطتين خلفهما كلمتان، وهلم جرا. عندما ترى في هذه الزاوية نقطتين متلاحقتين، فاعلم جنابك أنهما من جعبة مسؤول الصفحة العزيز وليست من عندي. أنا من مدرسة لا تفرط في النقاط ولا في علامات التعجب ولا في علامات الاستفهام. وأكثر ما أخذه الشاعر أنسي الحاج على أستاذه غسان تويني أنه لجأ في سنواته الأخيرة إلى الإكثار من تلك الأدوات.

كل هذه المقدمة من أجل الإدلاء باعتراف: أنا لا أقرأ المقالات المشحونة بعلامات التعجب والاستفهام. وعندما أجد النقاط المتلاحقة مضافة على مقالتي، لا أقرؤها أيضا. ويوم كنت شابا كان يحول بيني وبين قراءة إحسان عبد القدوس بحر النقاط الذي يزيد على بحر الكلمات. في اللغات الأجنبية، كل علامة لها وظيفة.

مثلها مثل الكلمة التي قبلها أو التي بعدها. وعندما أجد عشر علامات استفهام خلفها ثلاث علامات تعجب، أقول في نفسي، أيها اختار؟ هذه أم تلك؟ وماذا يريد مني صاحبها؛ أن أستفهم أم أن أتعجب، أم أن أمضي إلى مقال آخر فيه جهد ودقة وفيه معنى لكل شيء وليس جملا مرصوفة خلفها علامات مصفوفة؟ الآخرون أحرار، كتّابا أو مركبي جمل وعلامات، أما أنا فعندما تجدون نقاطا في الزاوية لا معنى لها، فليست أنا. إنها خلافي الوحيد مع المسؤول العزيز.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث