الرحلة 370

الرحلة 370

سمير عطا الله

عام 1983 أو 1982 استقللت رحلة الخطوط الماليزية من لندن إلى الكويت بطريق فرانكفورت. ما إن أقلعنا من فرانكفورت وأعلن الطيار أننا نحلق فوق «الغابة السوداء»، أجمل بقاع ألمانيا، حتى استسلمت إلى نوم عميق، قطعه صوت الطيار مرة أخرى، معلنا أننا بدأنا الهبوط في مطار الكويت.

بقيت رحلة الخطوط الماليزية في ذاكرتي، مثل الخطوط السنغافورية، أو طيران الإمارات، أي كما يقول العراقيون «تتدلل عيني». لكن، لا التدلل عاد ممكننا في العراق، ولا سمعة الخطوط الماليزية لن تتأثر بحبس الأنفاس، الذي خبره العالم بعد أربعين دقيقة من اختفاء الرحلة 370 ما بين كوالالمبور والصين.

لعلها أكثر القصص إثارة في تاريخ الطيران.

لست أذكر في حياتي أنني قرأت هذا الكم من التفاصيل وأنا أتخيل طبيعة المحنة التي يمر بها 239 مسافرا كانوا على موعد مع مطار بكين، فإذا هم على مواجهة مع أقصى حالات الرعب والجنون. جمعت عشرون دولة، بينها أميركا والصين والهند، كل قواها المختصة للبحث عن المصير الضائع. وظهر لنا ما كان العاديون أمثالنا يجهلونه، وهو أن محركات «رولز رويس» تبث تقريرا عن حالتها إلى الأرض كل لحظة بصرف النظر عن عمل الرادارات التي تلاحق كل طائرة من تلك التي تنقل ثلاثة ملايين مسافر حول الأرض كل يوم.

كل دولة اعتبرت أن الطائرة المفقودة طائرتها. العالم الرديء يتحول في لحظة إلى عالم سوي ومعني بحدث يقع بين المحيط الهندي ومضيق الملايو. وكل خبير طيران وملاحة وأمان يتبرع بما لديه. وأهل الأرض الذين كانوا يخشون حربا عالمية في أوكرانيا نسوا ما يجري من عجرفة بوتينية مريضة في القرم ليتابعوا محنة إنسانية أكثر عمقا: طائرة آمنة إلا من المطبات يسجل الرادار أنها تحلق على 45 ألف قدم، مما يعني أن ركابها أصيبوا بالشلل، ثم تهبط في دقيقة إلى منخفض رهيب، مما يعني أن من لم يفقد الأكسجين فقد الروح.

ملحمة جوية لا مثيل لها. دعك من الخواتم لأن الملحمة الحقيقية تبقى في الساعات الأولى والأيام الأولى. العالم بأكبر دوله وقواه حائر أمام غموض يشبه قصص الصحون الطائرة التي اخترعها الأميركيون لكي يسلوا بها ذوي العقول الذين يفتشون عن شيء غير العرافين، أو المحتالين الذين يصرون على أنني ربحت، كل أسبوع، نحو 50 مليون يورو، وليس علي، لتسلمها، سوى إرسال رقم حسابي المصرفي بالبريد الإلكتروني.

ملحمة إنسانية رهيبة في بداياتها، وبصرف النظر عما سيظهر في الساعات، فإن الحداثة والتكنولوجيا لم تستغلا من قبل لهذا الكم من فظاعة الشر. كل ما آمله هو ألا تكون المسألة ما نخشى أن تكون: عالم يصنع طائرة تنبئ محركاتها الأرض بسير عملها دقيقة بعد أخرى، وعالم يعجز عن صناعة أي شيء، فيحول الطيران المدني إلى قتل حربي في جبهة قائمة على الغدر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث