ظرف الولائم

ظرف الولائم

خالد القشطيني

كثيرا ما ترتبط الولائم والضيافة بالنكات والمداعبات. يعتبر ذلك في الواقع من واجبات المضيف وعناصر ضيافته. في الغرب يكون من واجب صاحب الدعوة أن يدعو أحد الظرفاء لإلقاء ما يسمونه كلمة ما بعد العشاء. ويتقاضى بعضهم أجورا عالية عن قيامه بهذا الواجب.

ليس لدينا هذا التقليد في عالمنا العربي ولكن كثيرا من الظرفاء والمنكتين اعتادوا على تناول طعامهم في بيوت أصحاب الجاه أثناء الولائم ووجبات الأكل. واعتدنا أن نحرص في الولائم على ضم عدد من المنكتين لتسلية الضيوف. الفكرة طبعا أن الضحك والأنس يفتح الشهية ويسهل عملية الهضم.

ومن الملاحظ أن العرب أبدعوا في تسخير اعتزازهم بلغتهم وحذلقاتها البلاغية والنحوية في صياغة هذه الطرائف. ومن ذلك أن ذكروا أن أحمد رامي دعي إلى وليمة، أعجبه منها طبق «ضلمة» وإن كانت من دون لحم، فركز عليها متجاهلا الأطباق الأخرى. فقال له صاحب الدعوة: يا أستاذ كل من الأطباق الأخرى فالضلمة دي كذابة.

فأجابه: «وانت مالك، أنا مصدقها»!

وردت حكايات كثيرة في هذا السياق عن هارون الرشيد، ومنها أنه كان يستضيف أبا الحارث جمين وعيسى بن جعفر. طرح أمامهما خوانا عليه ثلاثة أرغفة، فأسرع أبو الحارث وأكل رغيفه قبلهما ثم نادى على غلامه أن يأتيه بحصانه. فدهش الخليفة وسأله عن ذلك فقال: أريد أن أركبه إلى ذلك الرغيف الذي بين يديك. فضحك الرشيد وأمر له بصلة.

ولأشعب الطماع باع مشهور في هذا السياق. رأى بعض القوم يتناولون طعاما من السمك فسألهم: ماذا تأكلون؟ فقالوا سمكا مسموما، محاولين استبعاده من الوليمة. ولكن كان أحذق منهم فمد يديه فورا وشاركهم في الأكل قائلا: «والله فلألحق بكم. فلا تطيب الحياة بعد صحابة رسول الله».

ولأبي الحارث بن جمين طرائف من هذا النمط، ومنها أنه ارتفق مع عدد من رفاقه في شراء شيء من اللحم، يطبخونه ويأكلونه سوية. فلما تلهوج اللحم ونضج، انتشل أحدهم قطعة منه وأكلها قائلا: «إنها تحتاج إلى ملح». ونشل آخر قطعة أخرى وقال: «تحتاج الأكلة إلى توابل». والتقط ثالث لحمة أخرى وابتلعها قائلا: «وتحتاج إلى بصل». وعندئذ رفع أبو الحارث القدر وأخفاه وراءه قائلا: «وهذا القدر يحتاج والله إلى لحم»!

وأصاب رجل كبد الحقيقة في معيشة المدقعين والمعدمين عندما مرض وعاده الطبيب وأمره بالامتناع عن أكل السمك واللحم. فقال له: «لو كانا عندي ما اعتللت».

كان من ظرفاء العرب الذين شاعت عنهم كثير من النكات الطعامية مزبد المديني. جاء يوما برأسي خروف مطبوخين مما يسميه العراقيون برأس باجا، وضعهما أمام زوجته وقال لها: اقعدي لنأكل. فأخذت أحد الرأسين ووضعته خلفها وقالت هذا لأمي. فبادر مزبد وأخذ الرأس الآخر ووضعه خلفه قائلا وهذا لأبي. قالت فماذا نأكل؟ قال ضعي رأس أمك وأنا أضع رأس أبي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث