ابتعدي عن اللوفر

سمير عطا الله

وقفت نسوة من جمعية تطلق على نفسها اسم «فيمن»، عاريات أمام متحف اللوفر، يحملن شعارات ما في يوم المرأة العالمي. وأسارع إلى القول إنني مع جميع حقوق المرأة، لكنني ضد «فيمن»، وضد العري في الشوارع لأنني أعتبره سقطا أخلاقيا، إضافة إلى كونه سقطا جماليا واعتداء على الذوق، ويصبح سافرا أكثر إذا تم أمام أكبر متحف جمالي في العالم.

أردت أن أدلي بهذا الرأي منذ أن أقيم هذا العرض الخلاعي أول مرة، لكنني اعتقدت أنه لن يتكرر، لأسباب جمالية مجردة. فسوف تنظر العاريات إلى عريهن ويدركن فداحة الأمر ويرحمن النظارة الأبرياء الذين لا ذنب لهم. لكن التمادي تفاقم، ودائما باسم الحرية. وأنا أعتقد أن هذا العري الاستعراضي يخدم حقوق المرأة بقدر ما تخدم «داعش» قضية الحرية والإنسانية وحزانى سوريا.

قضية المرأة قضية أخلاقية قبل كل شيء. وكل قضية تجرد من العامل الأخلاقي، تتحول إلى توحش. هكذا في السياسة وهكذا في المال وهكذا في الصحافة وهكذا في الفن وهكذا في كل شيء. اللاتي خدمن قضية المرأة في التاريخ كن جميعا محتشمات. من الملكة فيكتوريا إلى مارغريت ثاتشر. أما العري في الشوارع الذي تمارسه بعض العربيات، فهو في أفضل حالاته، مرض نفسي وإساءة متكررة إلى المرأة العربية، التي أظهرت مدى قدرتها على النجاح في حقول وتحديات كثيرة، من العلوم إلى الآداب إلى الأكاديميا إلى الاقتصاد والمال. والألوف من هؤلاء السيدات يشعرن بالتقزز عندما تطرح حقوق المرأة ملخصة بالعري الشارعي.

إنني أتساءل عن الروابط الاجتماعية والعائلية لبطلات العرض المكرر. قرأت مرة عن حكاية إحداهن، وهي فتاة من مصر أسيئت معاملتها البيتية كثيرا. وكانت تتعرض للضرب الدائم من والدها والتواطؤ الجبان من أمها. وتبقى القصة مثيرة للشفقة والغضب والاستنكار إلى أن نرى الرد على ذلك الفظاظة بالتعري في شوارع باريس.

كان الأحرى أن تعري أمام المجتمع العربي القسوة التي هو مصاب بها، لا أن تلجأ إلى قسوة من نوع آخر. الخطأ الشائع لا يرد عليه بالخطيئة الفردية. والتوجع الإنساني لا يرد عليه بانفلات غاباتي. العنف الأسري الرديء، الذي يكثر في المجتمع العربي وفي مجتمعات غربية، ظاهرة تخلف وجهل ومرض تؤدي غالبا إلى تفاقم الجهل وتوارث الفظاظة والفشل والقسوة. ولا بد من محاربتها بكل وسيلة ممكنة وعبر كل مؤسسة أسرية واجتماعية. لكن التعري أمام اللوفر يرقى إلى كونه مؤامرة يدبرها كارهو المرأة وأعداء الجمال والخالعون.

المرأة التي لا تملك سوى طاقة التعري للتعبير عن مطالبها، تصور لنا وكأن كل حقوقها عري أمام اللوفر. وبهذا المعنى، فقد حصلت عليه حقا، ناقصا أصول ومقاييس الجمال. الرجاء الابتعاد عن اللوفر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث