مأساة الفن حين يوظَّف سياسيـًا

مأساة الفن حين يوظَّف سياسيـًا
عمرو حمزاوي

الإشارة كانت إلى حقيقة أن ريشارد فاجنر الذي ألف موسيقاه الأوبرالية في القرن التاسع عشر واستوحى الكثير من أفكارها من الأساطير الألمانية القديمة وظف سياسيا فى القرن العشرين من قبل النازيين للترويج لنزعة وطنية فاشية ولخرافة «سمو الجنس الآري» وجعل أدولف هتلر من الاحتفاء بموسيقاه مهمة من مهام الدولة – مثلما احتفى ببعض الأعمال الأدبية والموسيقية والمسرحية الأخرى التي اعتبرها تمجد الجنس الآري وقدره في قيادة البشرية وتخليصها من «الأجناس الدنيا»، بينما دفعته العنصرية ودفعه العداء للسامية إلى إحراق وإخفاء الكثير من الأعمال الأدبية والموسيقية والفنية الرائعة التي أبدعها اليهود الألمان والأوروبيون أو صنفت ككثير من لوحات التشكيليين الأوروبيين على أنها فنون انحطاط وانحلال.

بعد انهيار النازية بهزيمتها في الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩-١٩٤٥)، رتب توظيف النازيين السياسي لموسيقى فاجنر تصنيفها سلبيا كفن فاشي وعنصري ومعاد للسامية، ومن ثم امتنعت الدولة الديمقراطية الوليدة في ألمانيا الغربية (سابقا) عن الاحتفاء بها واتبعت الحكومة الشيوعية في ألمانيا الشرقية (سابقا) ذات النهج، وغابت إلى حد بعيد أوبرا فاجنر عن عروض دور الأوبرا الكثيرة في الألمانيتين (سابقا).

ودخل التنازع حول موسيقى فاجنر في أطوار مختلفة خلال العقود الماضية، بين دفاع اليمين المحافظ في ألمانيا عنها وضغطه لإعادتها تدريجيا إلى العروض الأوبرالية وإحياء تقليد الاحتفاء بها دون تدخل الدولة (يقام سنويا مهرجان لموسيقى فاجنر في مدينة بايرويت بجنوب ألمانيا وهي المدينة التي عاش بها) وبين ازدراء اليسار لها خاصة بعد «ثورة الطلاب» فى ١٩٦٨ (والأستاذ فولفجانج نار كان من بين المنتمين إلى جيل ٦٨). إلا أن ابتعاد الدولة في ألمانيا الغربية السابقة ثم منذ ١٩٩٠ فى ألمانيا الموحدة عن التورط فى التوظيف الإيجابي أو السلبي لموسيقي فاجنر أعاد لها تدريجيا «طبيعيتها» كمنتج فنى له من يعشقه وله أيضا من لا يستسيغه ويتحدد حضوره فى المساحة العامة (دور الأوبرا أو المبيعات الموسيقية) وفقا لمقتضيات الإقبال عليه (العرض والطلب).

يفسد التوظيف السياسي طبيعية الفن، ويفسد أيضا العلاقة بين الأعمال الفنية وبين متلقيها الذين تتنوع تفضيلاتهم وتختلف أذواقهم. ولا يختلف المصير المتعرج لموسيقى فاجنر في الحالة الألمانية عن مصائر متشابهة لأعمال أدبية وموسيقية ومسرحية ولإبداعات فنية أفسدها التوظيف السياسي للحكومات غير الديمقراطية، وإذا كان فاجنر قد مات قبل أن توظف النازية أعماله إلا أن بعض المبدعين عاصروا التوظيف السياسي لأعمالهم إيجابا وسلبا وتحملوا تداعيات تفاوتت بين التورط في الترويج للنظم غير الديمقراطية وبين المعاناة من قمعها وفي الحالتين تعطلت طاقاتهم الإبداعية.

ومن ينظر إلى مصر في الفترة الممتدة من خمسينيات القرن الماضي إلى اليوم، سيجد الكثير من التوظيف السياسي للفن والكثير من إفساد طبيعيته والكثير من تعطيل الطاقة الإبداعية حين تفرض السياسة على الفن التعبير عن مواقف «مع أو ضد» الحدية وتجرده من جماله وإنسانيته وتسامحه (فتكون النتيجة «احنا شعب وانتو شعب» وغيرها).

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث