أوكرانيا مثال طازج!!

أوكرانيا مثال طازج!!

خيري منصور

قد لا تكون اوكرانيا الآن أمثولة في تاريخ الابتزاز السياسي، أو ما يسمى العزف المزدوج على الخاصرتين على طريقة الاوكورديون، انها مثال طازج لمدى ما تتورط به الدول الكبرى من شد وجذب واستقطاب، اضافة إلى ازدواجية المعايير في المقاربات السياسية، فقد يكون لكل من واشنطن وموسكو مواقف متناقضة تبعاً للمقايضات والصفقات التي تسيرها المصالح في عالم حذفت فيه السياسة البعد الاخلاقي بالكامل، واصبح اللعب فيه على المكشوف.

والابتزاز السياسي أو الضغط وتهديد الخاصرات الرخوة للدول لم يكن بحاجة إلى المثال الاوكراني كي يتضح، لكنها مجرد مناسبة، وقد تثير التهديدات المتبادلة بين موسكو وواشنطن في ذاكرة جيلنا على الاقل أدبيات الحرب الباردة في ذروتها التي شهدت ازمة خليج الخنازير قبل اكثر من نصف قرن.

لكن الحروب الباردة لا تكون بالتلاسن الدبلوماسي ولا بالتراشق بالاتهامات عن بعد، لهذا فاليوم بالتأكيد ليس هو البارحة، ولن تكون «كييف» هي الفتيل.

في الازمة السورية بدت دمشق للحظة كما لو انها خليج خنازير آخر، بالنسبة لمن تحولت الحرب الباردة في ذاكراتهم إلى فوبيا تستدعيها أقل القرائن لكن بلا أية حيثيات.

الرابح والخاسر في مثل هذه الازمات ليس وقودها المحلي والشعبي الذي يدفع ثمن نزاعات دولية، لان الشعوب خلال العقد الاخير وجدت من يستثمر شقاءها ويمتطي موجات حراكها ليصل إلى اهدافه بمعزل عن كل احلامها، ما سحب من الحرب الباردة بمفهومها الكلاسيكي ليس الفتيل فقط، بل الايديولوجيا ايضا فما حل مكانها هو المنجم والموقع الجغرافي والسوق، لهذا لم تعد موسكو عاصمة اليسار المسلح بقدر ما هي عاصمة شملتها العولمة، وغيرت من الاولويات، بحيث لم تعد الايديولوجيا أولاً.

ومثلما تصارع القطبان على ما بينهما من تفاوت في القوة في دمشق على حساب اهلها وآثارها واقتصادها وكل ما هو انساني وحيوي فيها يتكرر هذا الصراع في عواصم اخرى لكن تحت عناوين وذرائع مختلفة، لا تسمي المجرفة باسمها كما يقول مثل انجليزي، بل تسميها ملعقة كبيرة، وأيا كان الامر ملعقة أم مجرفة، فان المثال الاوكراني ليس طارئا على صعيد موت الاطفال تحت اقدام الفيلة! واذا كانت العولمة بأشد ابعادها سلبية واستباحة قد جعلت العقاب يسبق الجريمة ويبحث عنها كما قال التشيكي كونديرا، فان تحرير الشعوب تبعاً للوصفة الامريكية هو احتلالها وتدميرها ولعل العراق يعفينا بما هو عليه من ذكر المزيد!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث