أقدم قوس مُدُني

أقدم قوس مُدُني
المصدر: سمير عطا الله

كتب التاريخ اللبنانية كانت تعلم أن جبيل هي أقدم مدينة مستمرة في العالم. لكن المؤرخين حول العالم توافقوا على أن المدينة الأقدم هي دمشق. الآن يقدم المؤرخ الأميركي فرانك ولش نظرية أخرى: أقدم المدن القائمة منذ سبعة آلاف سنة هي أريحا في فلسطين.

قد يبني أصحاب النظريات الثلاث أحكامهم على قواعد مختلفة، لكنهم جميعا متفوقون على أن الحضارة المستديمة تتمركز كلها في هذه المنطقة. وفي هذه المنطقة نشأت ثلاث حضارات «نهرية» من أصل خمس: النيل، والفرات، ودجلة، إضافة إلى الدانوب والأندوس، والأخير ينبع في التبت ويمتد إلى كشمير وباكستان. وإذ انتقل الإنسان من عصر العيش كصياد تائه في البراري إلى عصر العيش كمزارع يقتات مما يزرع من نبت ويربي من دواجن، كان ذلك أيضا هنا، في المنطقة المعروفة بالهلال الخصيب.

كيفما تلفتنا أو تنقلنا في أسس التاريخ والحضارات سوف نبقى في هذا الإطار الممتد من الجزيرة العربية إلى حوض المتوسط. وتدوين التاريخ بدأ في هذا الفناء البشري، ما بين الأبجدية الفينيقية والهيروغليفية المصرية. وقد عرفنا أن الإنسان اهتم بمظهره وهندامه كما اهتم بأكله وعيشه، عندما أبانت لنا الآثار المصرية أدوات الزينة والتماثيل المذهبة، مدى اهتمام الإنسان الأول بالجمال.

من اليمن والسعودية إلى مصر مرورا بسوريا وفلسطين والعراق ولبنان، تبدو المنطقة مثل متحف للحضارات القديمة المعاصرة وصولا إلى الأندلس. غير أن المشكلة هي في «الحضارة» الحديثة. من قرطاج في تونس إلى صور في لبنان، التي منها خرجت الدولة القرطاجية التي كادت تسحق روما.

طبعا الحضارات، مثل كل شيء بشري آخر، لا تدوم. وجميع الإمبراطوريات زالت من قبل. لكن ما حدث للإمبراطورية العربية لم يحدث لسواها. البريطانية بقيت منها بريطانيا الأم، والفرنسية بقيت منها فرنسا، وبقيت روما وأثينا، فيما تمر مصر والعراق وسوريا وتونس وليبيا في أسوأ مراحل هذا المتحف التاريخي، سياسة واقتصادا وتجارة وبالتالي اضطرابا حضاريا.

لا يعيش الإنسان ولا الأمم في الماضي، لكنه أيضا لا ينساه ولا ينفصل عنه. يصعب أن نصدق أن كل تلك المقدمات الحضارية قد أفضت إلى كل هذا الاضطراب الإنساني، وإن دمشق وجبيل وأريحا تنتظر لترى كيف سوف يحل العالم قضايا وجودها.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث