أحلام النضوج

أحلام النضوج

سمير عطا الله

عندما تقرأ الأدباء من ضيوف “الشرق الأوسط” حول بداياتهم، والكتّاب أو الشعراء الذين تأثروا بهم في بداياتهم، ترى كم يغيِّر البعض في حياتنا من دون أن يدري أو يدرك. كانت زوجتي تقول لي يوم كنت شاباً أكتب عن جميع الأشياء بفوران وحماس: تذكَّر أن الناس تتأثر بما تقرأ وغدا قد تندم وتغير رأيك، فما ذنبهم هم؟

كثيرة الأشياء التي ندمت عليها، قليلاً ما ظلمت، لكنني قررت أن لا أتخلى عن مشاعري وعواطفي. أنا إنسان لا حشوة قلم. ومثلي مثل معظم الناس، أفرح وأحزن وأتفاءل وأكتئب وأخفق وأخاف وأندفع. لست آلة حاسبة ولا آلة طابعة. أنا محبِّر لا محبَرَة. الحِبر وسيلتي لا غايتي، والكتابة شغفي لا حِرفتي.

يعيد الإنسان النظر في الذين تأثَّر بهم. منهم من يبقى ويزداد ألقاً في النفس، ومنهم من يُنسى، وبعضهم يتحول إلى ندم. إحدى ضيفات “الشرق الأوسط” قالت إنها تأثرت كثيراً برواية “الأجنحة المتكسرة” لجبران خليل جبران، وقرأتها مرات كثيرة وهي تبكي. أنا أيضاً. لكنَّني في مرحلة لاحقة، تمنيت لو لم أقرأ جبران باكراً، بل تمنيت لو تجنبت الرومانسية كلها إلى مرحلة لاحقة. طبعتني مبكراً كتب اليأس وصور الحزن، داخل النفس وخارجها. ومع أنني لم أتدخل لحظة في قراءات ابني، فقد كنت أخشى أن يَعبُر المرحلة نفسها، رغم أن جيله مختلف وعالمه مفترق.

في مرحلة الطراوة الفكرية نتأثر بكل ما حولنا. نحب الشاعر الذي يحبه المدرس، والكاتب الذي يحبه رفيقنا، والكتاب الموجود في البيت، والأغنية التي نسمعها من نافذة الجارة الجميلة، والفيلم الذي نصحنا به النقاد. أي أننا نتكوَّن وفقاً لمجموعة تأثيرات معظمها خارجي لا داخلي. وشيئاً فشيئاً، ينضج فينا الرأي المستقل والميل الأكثر استقرارا، ويصبح ذوقنا الأدبي أكثر انتقاء، وإذ نتطلع خلفنا إلى مكومات السنين وأكداس القراءات، يبدو لنا أحيانا وكأن الذي كنَّاه ليس نحن، وكأن القارئ الفتى خصم القارئ الذي صار إليه مع طيات العمر.

ثمَّة أمر آخر، أو وجه آخر. بعض الذين قرأناهم مبكرين نقرأهم بمتعة أكبر فيما بعد. مثل أشجار السنديان، لا يصفر الشتاء أوراقهم ولا يزيدهم الزمن إلا كبراً وورفاً. وهم أكثر من أن نعرفهم أو أن نعدهم جميعاً. نسي هؤلاء “الكلاسيكيون”، أي الذين يقرأون في كل عصر على أنه عصرهم، وكل ضوء على أنه من أشعتهم، وكل فكرة على أنهم أول من خرجوا بها.

أقرأ بعض مفكّري روما القديمة وبعض خطبائها اليوم وكأنهم يسكنون في المبنى المجاور. وأتناول أي كتاب لجورج أورويل في أي لحظة وكأنني بدأت قراءته قبل ساعة. لم تعد قراءة جبران تعني لي بقدر القراءة عنه. وسوف أقرأ ألكسندر بوشكين للمرة العشرين كأنها المرَّة الأولى والاكتشاف الأول. أو مارسيل بروست. وقد تجاوزت قراءة ارنست همنغواي. وعذراً عن عدم تسمية من ذهب ومن بقي من الأدباء العرب، خوف الرجم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث