من يبكي أخيرا!!

من يبكي أخيرا!!

خيري منصور

ما لم تقله الامثال هو من يبكي اخيرا ، هل هو الغراب الذي صاح من الجوع عند الغروب قائلا وبمعنى أدق ناعقا! آه على ذبابة!

أم الذي سجل هدفا مبكرا على طريقة رب رمية من غير رامٍ واستغرقه الانتشاء بهذا النصر العابر فبكى اخيرا لان جسده اصبح هدفا ومرمى للسهام كلها، وقد أغمد رأسه في الرمل على طريقة النعامة؟

في الحروب عبر التاريخ لم تكن الجولة الاولى هي ما يحسم الحرب، وفي كل المبارزات كان الامر كذلك، والقوي الواثق هو من يوهم خصمه بسهولة الظفر ثم تنقلب المعادلة رأسا على عقب وهذه مناسبة لاستذكار حكاية من زمن الفروسية الذي اصبح فردوسا مفقودا في هذا العصر الذرائعي.

فقد علّم احد الفرسان تلميذا له الدروس كلها واحتفظ بدرس واحد فقط، لانه لمح في عيني التلميذ نذالة مبكرة وعقوقا قابلا للنمو، وذات يوم طلب الفارس من تلميذه ان يبارزه في ميدان عام، لكن التلميذ اعتذر لانه لا يليق باستاذه ان يُهزم، لكن الفارس أصر، وتقدم اليه تلميذه وهو واثق من النصر، فكانت المفاجأة، اذ سرعان ما طرح ارضا وانتصر الفارس، وحين سئل عن سر قوته التي تحدّت العُمر أجاب: بان هناك درسا ادخره لنفسه ولم يعلمه لتلميذه لانه ادرك مبكرا انه لن يكون أمينا، وكان هذا سبب ظفره المفاجىء.

ربما بسبب حادثة كهذه قال الشاعر

أعلمه الرماية كل يوم- ولما اشتدّ ساعده رماني

لكن مفارقات التاريخ والوجود كله هي في تحويل ما هو سبب للانتصار

الى سبب للهزيمة، وتحويل العقبة الى رافعة، والضارة الى نافعة.

كم نحن محظوظون كبشر بمن نكتشف معدنهم مبكرا وقبل التوغل في الرهان فليس كل ما يلمع ذهبا خصوصا في زمن الذهب الصيني والروسي الذي ينصحنا العلماء بالاقلاع عنه لانه يسبب انواعا من السرطان.

واكتشاف معادن الناس اشبه باكتشاف الداء الخبيث مبكرا حيث يمكن علاجه والسيطرة عليه بل استئصاله كي لا ينتشر.

إذن هناك من يبكي اخيرا مقابل من يضحك اخيرا، فالسلحفاة في امثالنا أخرجت لسانها للارنب في سباق المسافات الطويلة.

لهذا دعوا من يضحك اولا يقهقه حتى يستلقي على ظهره، فهو على موعد مع بكاء، لا يليق به غير نعيق الغراب الذي بكى جوعا على ذبابة!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث