روسيا والغرب … من سيعاقب من؟

روسيا والغرب … من سيعاقب من؟

عريب الرنتاوي

تبقى الخيارات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، وجميعها من دون استثناء، قليلة التأثير على بلد بحجم روسيا، والأرجح أنها لن تعطي أوكلها في ثني قيصر روسيا العنيد عن تحقيق أهدافه ومراميه.

التلويح بمقاطعة اجتماع مجموعة الثمانية الكبار، وربما تجميد عضوية روسيا فيها، هو أقصى ما ذهب إليه أوباما … نذكر بأن أوباما سبق وأن ألغى اجتماع قمة ثنائي مع بوتين إن هو منح إدوارد سنودن اللجوء السياسي في روسيا … منح بوتين حق اللجوء لسنودن، وضرب عرض الحائط بقمته مع أوباما، والمؤكد أن قضية سنودن لن تطاول في أهميتها قضية بوزن أوكرانيا، فما الذي سيدفع أوباما للاعتقاد بان سيد الكرملين سيرتجف هلعاً ويباشر سحب قواته و”شبيحته” من القرم ومناطق أوكرانية عديدة.

روسيا نجحت في تعطيل قناة مجلس الأمن طوال سني الأزمة السورية الثلاث، فما الذي يدفع قادة الغرب للاعتقاد بأن مجلس الأمن يمكن أن يكون منصة للانقضاض على روسيا… من أشهر الفيتو ثلاث مرات دفاعاً عن النظام السوري، سيشهره ثلاثمائة مرة، دفاعاً عن مصالحه في الدولة الجارة والمجال الحيوي التاريخي.

أوكرانيا ليست عضواً في الناتو، وليس ثمة ما يملي على دول الحلف التدخل للدفاع عن مصالح وحدود او لنصرة دولة عضوة … مرة أخرى، سيكون بمقدور راسموسن أن يصرح كما يشاء في وصف الفعلة الروسية النكراء في أوكرانيا، وهو طالما فعل أمراً شبيها طوال سنوات الأزمة السورية، ولا أظن أن الرجل سيخلع بزته المدنية لارتداء ثياب الميدان.

لا شك أن بعض العقوبات الاقتصادية يمكن أن تزعج الاقتصاد الروسي وتفضي إلى قدر من الاضطراب في أسعار صرف الروبل وأسواق المال، لكن عقوبات أشد فرضت على إيران لثلاثة عقود، وعقوبات شاملة فرضت على سوريا لثلاث سنوات، ولم تفض إلى تغيير مواقف دمشق وطهران، فلماذا الافتراض بأن العقوبات ستفعل فعلاً مغايراً في دولة أكبر واقتصاد أعظم وموارد أوسع وقيادة أشد عناداً.

إن قرر الغرب معاقبة روسيا، وهو يتجه نحو خيار كهذا، لفظياً على الأقل، فإن عليه أن يتوقع ردود فعل روسية أشد قوة في المقدار، ومعاكسة لها في الاتجاه … روسيا لاعب رئيس في أهم ساحات التوتر والاشتباك الدولية، من إيران إلى سوريا، مروراً بأفغانستان، والغرب بحاجة لروسيا لإتمام النووي الإيراني والكيماوي السوري … وواشنطن بالذات بحاجة لروسيا، فقواتها تستخدم ممرات آمنة روسية للانسحاب من أفغانستان، ومن دون مساعدة موسكو ستعلق هذه القوات بين السماء والطارق.

لدى روسيا من الأوراق، ما يكفي لجعل أوكرانيا، حقل استنزاف للغرب، لا مصدر قوة له أو رأس حربة في مسعاه لإحكام الحصار على روسيا … أوكرانيا مرتبطة اقتصادياً بموسكو، وثمة ديون متراكمة، وشريان الغاز يغذي الاقتصاد الروسي بأسعار تفضيلية، دع عنك وجود قطاع مؤيد لروسيا من الأوكرانيين ذوي الأصول الروسية، أو الموالين سياسياً لموسكو … وعلى أرض أوكرانيا، ترابط مئات السفن وعشرات ألوف الجنود ومئات الآليات الروسية، فمن ذا الذي سيستنزف الآخر، إن قرر الغرب في لحظة حماقة، التعامل مع روسيا كما تعامل مع ليبيا / العقيد القذافي.

لكل هذه الأسباب، بدا الغرب وقد انخرط في حفلة تصعيد لفظية لا أكثر ولا أقل، فيما الأنظار تتجه للبحث عن حلول سياسية وتسويات …وفي هذا السياق، تبدو ألمانيا / ميركل، الأكثر تأهيلاً للقيام بدور الوسيط، سيما وأنها الدولة الغربية الكبيرة الوحيدة، التي رفضت امتطاء صهوة البيانات الإنشائية القاسية، وتحفظت على تلويح أوباما بطرد روسيا من عضوية مجموعة الثماني، وهي على صلة عميقة مع موسكو والكرملين وبوتين، وفي ظني أن الدبلوماسية الألمانية، قد توفر سلالم هبوط آمنة لمختلف الأطراف للنزول من على قمم الأشجار التي صعدوا إليها خلال الأيام القليلة الفائتة.

فرصة الحل السياسي للأزمة السياسية قائمة فقط في حال اعترف الغرب من جهة، بمصالح روسيا الاستراتيجية بعيدة المدى في أوكرانيا، وقبل بوتين من جهة ثانية، بوجه أوروبي لأوكرانيا، لا يكون بديلاً عن صلاتها الروسية ذات الطابع الممتد في التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا والخلفية الدينية والثقافية … من دون تسوية تراعي مصالح مختلف الأطراف، سيظل الجرح الأوكراني نازفاً، ومصدر قلق قابل للاشتعال المتكرر بعد فترات من الهدوء القصيرة والمتعاقبة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث