مبدأ بوتين

مبدأ بوتين
المصدر: سمير عطا الله

ليس في السياسة أخلاق، ولكن فيها قواعد يضعها القوي. وهذه سميت بالعربية خطأ «مبادئ» مثل مبدأ مونرو في أميركا، أو مبدأ بريجنيف في الاتحاد السوفياتي، وهي عبارة عن مجموعة شروط مسبقة من طرف واحد، تحدد أماكن النفوذ كما تحدد سباع الغاب عرينها. «فمبدأ مونرو» مثلا، رسم أميركا اللاتينية «حديقة خلفية» للشقيقة الشمالية. وعندما اخترقت موسكو هذا الخط في كوبا، كاد العالم يتفجر في حرب أخيرة.

أوكرانيا هي حديقة روسيا الخلفية، إذا أردنا تطبيق «المبدأ» نفسه، تربطها بموسكو علاقة عمرها 300 سنة كما يقول بوتين، من دون أن يذكر مراحل الطغيان الأخوي والاستيطان الروسي. وعلينا أن نتذكر – نحن والرفيق فلاديمير – أن العالم قد تغير وأن زمن «الحدائق الخلفية» قد انتهى.

الأنظمة المعارضة لواشنطن في أميركا الجنوبية كثيرة، كما أن حدائق موسكو، بعد سقوط السوفيات، صارت جزءا من الوحدة الأوروبية والحلف الأطلسي، مثل بولندا والتشيك وسلوفاكيا ورومانيا، وما كان يسمى أوروبا الشرقية، ليس فقط بسبب الموقع الجغرافي بل أيضا بسبب الهوية الآيديولوجية.

يبدو أن العالم على حافة حرب باردة جديدة بدأت حارَّة وقاتلة في سوريا. الرفيق فلاديمير يريد إحياء «مبادئ» نيكيتا خروشوف في برلين، ومبدأ ليونيد بريجنيف في كل مكان. لكنه ينسى عوامل الزمن، وأنه لم يعد في إمكان أحد أن يخوض حربا سياسية في أرض سواه، مهما كانت قريبة، أو كانت عناصر وعوامل الشراكة قديمة. هذه ليست مجر الخمسينات ولا براغ الستينات، مع أن ثقافة الرجل الرابض في الكرملين وطباعه تعود إلى تلك المرحلة.

فيما «يصفي» أوباما حروب أميركا، ويصافح راوول كاسترو في جنازة مانديلا، يوسع رئيس روسيا حروبه المباشرة وغير المباشرة، معتمدا بصورة رئيسية على عودة أميركا إلى سياسة العزلة والوهن الاقتصادي في أوروبا. لكن هذه الحسابات لا تصلح لسياسة طويلة المدى؛ لأن روسيا بلا أصدقاء أو شركاء أقوياء في جوارها، ولأن الصين، على الأرجح، لن تجاريها في حرب باردة.

هناك مليار صيني اختاروا أن يبنوا عالما قائما على الكفاية والازدهار، وعرض «الكتاب الأحمر» في المتحف بدل فرضه في المدارس. الصينيون يحصدون المراتب الأولى في جامعات أميركا، متفوقين في العلوم لا في الرومانسيات اللفظية التي غطت موت الملايين في المجاعات والإبادات الثقافية تحت صورة ماو باسما أو سابحا في النهر العظيم.

يزيد الرفيق التياه في نقاط التوتر ومواقع البؤس في العالم. بقليل من التواضع كان يمكن أن يكون هو من يتولى الحملة لإخراج رجل سيئ الصيت يدعى يانوكوفيتش. هذا فاسق فاسد وسيرة معيبة. بدل إعلان حالة الطوارئ العسكرية، كان في إمكان وزير بوتين التقليل من عظمته والسفر قبل أسابيع إلى كييف للبحث مع أهلها عن صيغة للخلاص من العيب الذي وقعت فيه. لا بد من أن يقوم أحد بإبلاغ القيصر ووزيره القطبي أن العالم قد تغير.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث