ما أفدح هذا الصمت

ما أفدح هذا الصمت
المصدر: عبده وازن

بدءاً من الآن سيكون من الصعب الاعتياد على غياب أنسي الحاج. لا أبالغ البتة في وصف فداحة هذا الغياب. أصدقاؤه، وهم أصلاً قلة قليلة، سيفتقدونه كثيراً، والقراء – والمعارف – الذين لا يُحصون، وهم بمثابة أصدقاء ولو من بعيد، أو من غير معرفة شخصية. كان أنسي اختار في الآونة الأخيرة، قبل أن يدهمه المرض، أن يعيش حالاً من العزلة النبيلة، شبه وحيد، على رغم السجال الذي كانت تحدثه مقالاته في «الأخبار»، والردود التي كانت تنهال، حماسة أو احتجاجاً. كانت الضوضاء تحصل وهو كأنما بعيد عنها، وغير معني إلا بقليل منها. كان يكتب أنسي كلمته ويطوي الصفحة، لكنه لم يكن يرفض ما يرده من آراء وبعضها ضده في أحيان.

سيكون غياب أنسي الحاج أو صمته، فادحاً بدءاً من الآن، في حياة أصدقائه الأقربين الذين كانوا يضبطون وقتهم وفق أمزجته الصعبة والجميلة، وكذلك في مواعيد القراء على اختلاف نوازعهم، وبعضهم كانوا يتابعون «خواتمه» الأخيرة كما كانوا يتابعون سابقاً «كلمات…» أسبوعاً تلو أسبوع، وكلهم حنين إلى لبنان الذي انقضى ولم تبق منه سوى بضعة وجوه كان أنسي وجهاً مشرقاً منها. وكان لـ «خواتمه» في «الأخبار» وقعها الأسبوعي، ينتظرها قراؤه ليختصموا حولها، أو يتفقوا. وكان السؤال يسير بين كثر منهم: هل قرأت أنسي هذا الأسبوع؟ وكان النقاش يحتدم في أحيان حول عدم انحيازه المعلن إلى الثورة السورية. كان الكثيرون ينتظرون منه موقفاً صارخاً ضد النظام السوري، وكان هو يكتب عن الشعب السوري والضحايا السوريين وعن سورية التي أحب قبل البعث والعسكر. وكم أخطأ الذين اتهموه بـ «التقصير» إزاء الثورة، هو الذي كان في طليعة معاداة النظام البعثي، ومقالاته الجريئة أيام «النهار» في هذا الصدد، تشهد. أما صفحته في «الأخبار» فجعل منها «جزيرة» يمارس فيها حريته في الكتابة متخطياً بجرأة ولاء الصحيفة وسياستها. وفي هذه «الخواتم» أثبت أنسي نظرته إلى نفسه في كونه شخصاً متمرداً وليس ثورياً. فالثوري في حسبانه، لا بد أن يستحيل إلى سلطة ما أن يحقق ثورته، أما المتمرد فهو الحالم الأبدي، الدائم التمرد والاحتجاج.

يمكن القول في شأن شاعر وكاتب في حجم أنسي الحاج أنه سيظل حاضراً وأن المستقبل أمامه، لا سيما أن دواوينه و «خواتمه» تنام على ما يشبه المنجم الذي لم يُسبر كله بعد. هذا شاعر لا يمكن أن يغيب. بالطبع، قصائد الحب العظيمة التي كتبها ستقرأها الأجيال المقبلة وكأنها كتبت لها. حتى القصائد «الملعونة» التي اصطدمت بجدار اللغة العربية التقليدية والشعر «المكرس» والذائقة السائدة، وفتحت أفقاً غير مألوف للقصيدة الحديثة، ستجد كثراً من الشعراء والقراء يقبلون عليها بشغف وحماسة… إلا أن هذا الحضور الآخر، حضور الغائب، لن يعوّض غياب شاعر «الرأس المقطوع» عن العالم، عن الحياة التي كثيراً ما هجاها بقسوة، عن ليل بيروت، عن أحلام النهار في بيروت، عن رصيف الحب، عن آفاق الرغبة والحنين، عن سماء الشعر… من عرف أنسي الحاج عن قرب يعلم أن هذا الشاعر خُلق ليعيش الحياة كما يحلو لها أن تعاش، بصفتها هبة إلهية، فردوساً أرضياً يفضي إلى فردوس مفقود، بصفتها الحديقة المستعادة من حرائق التاريخ. أحب أنسي الحياة حتى الرمق الأخير، وبها انتصر على الموت، بها احتمى طوال أعوام طويلة من هاجس السرطان الذي انتصر في الختام على جسده، وليس على روحه. وكان كلما أغرق الشاعر في قلب الموت مضيئاً أسراره كان يغرق في صميم الحياة التي هي الحب والرغبة والحلم والغريزة النقية والإيمان… وكان كلما أوغل في الإثم واللعنة والجحيم أوغل في النعمة والغفران والصوفية… ما أجملها حياة هذه الحياة المضطربة والمشبعة بالمتناقضات، حياة كأنها حياة قديس ومهرطق في آن واحد.

سـنفـتقد أنـسـي الحـاج كثـيراً، وسيـكون صـعـباً علـيـنا، نحن أصدقاءه، أن نعتاد فكرة غيابه. هذا الشاعر الذي كان يصرّ على رفض صورة الرائد والمعلم والأب الروحي، كان يبحث عن أصدقاء ورفاق، لا عن مريدين أو تلامذة. وكم كان يكره أن يكون له مريدون يقف بينهم كأنه «شيخ» طريقة. وهو كرهُه نفسُه لفكرة الانتماء إلى جماعة أو حزب أو عقيدة. كان حراً حتى آخر قطرة دم فيه. يكره العلاقات ويكره حفلات التكريم والجوائز والأوسمة. أشبه بكائن بريّ، غير مدجن، يحب بصدق ويكره بصدق، عبثي وصوفي، مؤمن مثل طفل، ومجدّف ومشكك، يصلي ويأثم بلا تردد، مسيحي ونيتشوي، يحب القديسة ريتا حبه للماركيز دو ساد…

كتب أنسي الحاج مرة في «كلمات…» يقول: «بعض الموت الطبيعي يبدو كالجريمة. وثمة ميتات هادئة جداً، هادئة ورصينة، ومع هذا، أو لهذا، تبدو كالجرائم الباردة». تُرى هل كان يحدس بموته الذي بدا أشبه بجريمة ميتافيزيقية بعدما عانى ما عاناه، على سرير الاحتضار، مثل عصفور مذبوح، يخبّط بجروحه ودمه؟

(الحياة)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث