من مشروع روجرز إلى مشروع كيري..

من مشروع روجرز إلى مشروع كيري..
المصدر: خيرالله خيرالله

لعبت المملكة الأردنية الهاشمية دورا بارزا في رسم حدود الدولة الفلسطينية. كان ذلك عبر قرار فكّ الارتباط الذي اتخّذه الملك الحسين، رحمه الله، في تموز- يوليو 1988. صدر القرار بفك ارتباط الأردن بالضفّة الغربية قبل أسابيع قليلة من إعلان الدولة الفلسطينية المستقلّة في دورة المجلس الوطني الفلسطيني التي انعقدت في الجزائر في نوفمبر من تلك السنة.

يبدو مفيدا التذكير بهذه المعطيات من أجل تأكيد أن دولة الأردن كانت تعتبر دائما أنّ من مصلحتها قيام دولة فلسطينية مستقلة استنادا إلى خطوط 1967 عاصمتها القدس الشرقية. فالأردن لا تتحدّث بلسانين ولا تخفي توجهاتها على أحد، لا على الصديق ولا على من يضمر للمملكة شرّا.

ما لم يكن خافيا على أحد يوما أن الدبلوماسية الأردنية دفعت دائما في اتجاه تسوية تقوم على خيار الدولتين. وما نشهده حاليا من ثمار الجهود الأردنية والإلحاح على الدفع في اتجاه التفاوض من أجل التوصّل إلى تسوية تاريخية تضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلّة “القابلة للحياة”.

جديد المرحلة الراهنة أن المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية التي بدأت قبل فترة تترافق مع دور أميركي فاعل يتولاه وزير الخارجية جون كيري الذي زار المنطقة أكثر من عشر مرّات خلال فترة قصيرة. يسعى كيري، بكلّ بساطة، إلى تحقيق إنجاز بين الفلسطينيين والإسرائيليين في غياب قدرته على تحقيق أي تقدّم في الملفات الأخرى التي يتولاها. على رأس هذه الملفات الأخرى، تأتي الحرب التي يشنّها النظام السوري على شعبه منذ ثلاث سنوات تقريبا، والتي يبدو أنّها ستنتهي بتفتيت للبلد.

معروف أن المملكة الأردنية الهاشمية تتضرّر يوميا جراء الحرب الدائرة في سوريا. هناك مئات آلاف النازحين السوريين في الأردن التي تعاني أصلا من شحّ في الموارد والمياه. هناك أزمة إنسانية ضخمة تسبب فيها اللاجئون السوريون. يضاف إلى ذلك مشكلة مرتبطة بالإرهاب والجماعات المتطرّفة التي يمكن أن تتسلل إلى الأراضي الأردنية. معظم هذه الجماعات مدفوع من النظام الساعي دائما إلى تصدير أزماته إلى المحيط السوري وخلق المشاكل لجيرانه.. باستثناء إسرائيل طبعا!

في هذه الظروف المعقّدة، جاءت زيارة الملك عبدالله الثاني للولايات المتحدة واللقاء الذي عقده مع الرئيس باراك أوباما في كاليفورنيا. حصل عبدالله الثاني على مساعدات أميركية يمكن أن تساهم في تخفيف الأعباء السورية عن المملكة. هذا إنجاز في حدّ ذاته، يساعد في مواجهة الأزمة الناتجة عن تدفق اللاجئين السوريين.

الأهمّ من ذلك، تأكيد العاهل الأردني أن المملكة معنيّة بكلّ المواضيع المرتبطة بحلّ نهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين. الأردن معنيّة بموضوع اللاجئين ومعنية بالقدس والمحافظة على مقدّساتها ومعنيّة بحدود الدولة الفلسطينية التي يمكن أن تلد يوما وبأمن الحدود بين المملكة الهاشمية وهذه الدولة، خصوصا أن إسرائيل تتطلع إلى وجود عسكري في الأغوار.

في النهاية، تبحث الأردن عن حلول. هناك رغبة أردنية في تسهيل الحلول والتوصل إلى اتفاق نهائي على أساس خيار الدولتين. مثل هذا الاتفاق يعني أوّل ما يعني قطع الطريق على خيار “الوطن البديل” الذي يوجد في إسرائيل من لا يزال ينادي به من منطلق أن الأردن هي الدولة الفلسطينية…

عندما يتعلّق الأمر بمسائل مصيرية، لا يعود أمام الأردن من خيار غير الذهاب بعيدا، أي إلى النهاية، في الدفاع عن مصالحها العليا ومصالح الأردنيين، خصوصا أن أكثر من أربعين في المئة من سكّان المملكة من الفلسطينيين الذين نزحوا إليها على دفعات وبينهم من لا يزال في مخيمات للاجئين منذ عام 1948 أو 1967. فالأردن معنيّة بأيّة تسوية وتعمل من أجل تسوية حقيقية عادلة وترفض في الوقت ذاته أن تكون التسوية على حسابها في أيّ شكل.

ما يفعله الملك عبدالله الثاني يتمثّل في الدفاع عن الأردن ومصالح الأردنيين. لم تقتصر زيارته للولايات المتحدة على لقاء مع أوباما، بل شملت شخصيات أميركية والمسؤولين الكبار في الإدارة والكونغرس. كذلك التقى ممثلي المجموعات العربية الفاعلة وممثلين عن المنظمات الأميركية اليهودية. وهذه المنظمات تمتلك نفوذا كبيرا داخل الولايات المتحدة نفسها وفي إسرائيل، حيث توجد أصوات تهاجم بقوّة وزير الخارجية الأميركي والأفكار التي يطرحها في شأن التسوية. وقد يكون بعض هذه الأفكار، استنادا إلى ما تسرّب حتى الآن، جيّدا ومعقولا إلى حدّ ما.

ما مرّت به الأردن من تجارب في الماضي القريب، يجعل عبدالله الثاني قادرا على الدفاع عن المصالح العليا للمملكة. ولذلك ليس المطلوب من الداخل الأردني أكثر من وضع حدّ للمزايدات والكلام المضحك- المبكي عن مشروع كيري. إذا كان هذا المشروع، الذي لم يعلن عنه رسميا بعد، يتعارض ومصالح الأردن والفلسطينيين، سيكون حتما مرفوضا من عمّان.

لا حاجة إلى خطابات رنانة ولا إلى شعارات وتصرّفات من نوع تلك التي تذكّر بالسبعينات من القرن الماضي والتي ركّزت على رفض مشروع روجرز. من يتذكّر مشروع وليم روجرز، وزير الخارجية الأميركي وقتذاك، والذي قبل به جمال عبدالناصر قبيل وفاته وراح الفلسطينيون يهاجمونه عن طريق مسيرات صاخبة في شوارع عمّان؟

بعض الهدوء ضروري، حتى يصبح في الإمكان القول إن قسما من الفلسطينيين ومعهم الإخوان المسلمون وبعض الشخصيات الأردنية التي اكتشفت الوطنية حديثا، تعلّموا شيئا من الماضي ومآسيه. فقد أثبتت التجارب أن الملك في الأردن يعرف تماما ما الذي يجب عمله وماذا ينفع الفلسطينيين والأردنيين وماذا يضرّهم. فالوقت ليس وقت المزايدات والشعارات الطنّانة والدعوة إلى الجهاد. الوقت وقت التفكير في العمق في كيفية الإفادة من طرح كيري، في حال رأى مشروعه النور يوما.

من يحتاج إلى دروس في التاريخ، يستطيع العودة إلى عام 1970. هل كان القبول بمشروع روجرز مصلحة عربية وفلسطينية أم لا؟ ماذا كانت نتيجة المزايدة على عبدالناصر نفسه في تلك المرحلة؟ ألم يذهب الفلسطينيون إلى كارثة جديدة في تاريخهم الذي لا تنقصه كوارث؟

(العرب)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث