لون جنيف

لون جنيف
المصدر: سمير عطا الله

هل في داخلنا عداء مقيم لروسيا؟ هل أحد أسباب هذا الموقف جهلنا للغتها وثقافاتها والافتقار إلى علاقة واسعة معها في جميع المراحل التاريخية؟ هل لا نزال نعيش في رسوبات المرحلة السوفياتية من دون أن نعي؟ يجب أن نطرح على أنفسنا هذه التساؤلات، لكي يكون موقفنا الجمعي موضوعيا بقدر ما تستطيع الطاقة البشرية التجرد في لحظات الصراع وطيات المصير.

إن روسيا اليوم في دارنا وأرضنا أكثر من أي مرحلة تاريخية مضت. أكثر من دورها (الإيجابي) في حرب السويس، وأكثر من مرحلة «معاهدات الصداقة والتعاون» في السبعينات مع العراق وسوريا ومصر السادات، الذي وقع المعاهدة خلال ثلاثة أيام، في خطوة لا سابقة لها. فعندما فرض ستالين على فنلندا المجاورة اتفاقاً «أمنياً» عام 1948، قال له رئيسها: الاتفاقات الخارجية يجب أن تعرض على البرلمان أولا.

كانت روسيا تتطلع إلى لعب دور الدولة الكبرى أيام القياصرة، ثم أيام البلاشفة، والآن في أيام الشيوعي السابق وحليف الكنيسة الأرثوذكسية الحالي. وفي أيام القياصرة البيض والحمر، كان الشرق الأوسط مدخلا إلى حلبة الدول الكبرى. يجب أن نفهم بوتين كما فهمنا بطرس الأكبر وكما فهمنا نيكيتا خروشوف.

الدور الكبير في حاجة إلى شعارات كبيرة، سواء صادقة أو مجرد يافطة. بطرس الأكبر أتقن ذلك، والسوفيات تعدّوا الشعار إلى الموقف الحقيقي. يجب أن لا ننكر سياساتهم في الصراع العربي – الإسرائيلي، لا بد أن يذكر، فإن ذاك الرجل الذي وقع المعاهدة في ثلاثة أيام، طردهم في ثلاث ساعات. وسوريا أعطتهم قاعدة عسكرية لكنها سايرت السياسة الأميركية، خصوصاً في حرب لبنان. والقذافي اشترى منهم السلاح، لكنه ذهب إلى الكرملين يخاطب ليونيد بريجنيف وكأنه يتحدث إلى معارض ليبي: من أنتم؟ من أنت؟ أو: انت مين؟

دعنا نقُل للسادة الروس ما هي المشكلة منذ بطرس الأكبر حتى اليوم: لم تعرفوا كيف تخاطبون الشعب العربي. عقدتم المعاهدات والاتفاقات مع أكثر الأنظمة اضطهاداً للشيوعيين. وهذا يظهر أن لا مكان كبيراً لأي قيَم في سياساتكم. وإذا كان بوتين يريد استعادة دور الدولة الكبرى اليوم، فهذا من حقوقه. وهو يجد في باراك أوباما حليفاً ونصيراً، فلماذا لا؟

ولكن، ولكن، ثم لكن. أيها السيد الذي تتصور عاري الصدر، أنك تكرر العادة الروسية الرديئة. الأهمية للنظام ولا قيمة للبشر. أنت تُرسل البراميل، لا سيارات الإسعاف. أنت تدافع عن تشريد ملايين السوريين ومجاعاتهم وموتهم. وأنت تمنع حتى القرارات الإنسانية. كتب ديرك وولكوت (نوبل الآداب عام 1992) قصائد في وصف المدن التي عرفها. إليك ماذا قال عن جنيف: «لها لون شعر رجل سياسي». كلما شاهدت صور رجالك هناك أيها الرفيق، أتذكر شاعر سانتا لوتشيا. لقد صدرت مجموعة جديدة له أنصحك بقراءتها. من يدري؟ قد تحرك فيك مشاعر غير التقاط الصور عاري الصدر. قد تذكرك بأن الناس ضعفاء وبسطاء ومساكين وموزعون على خيام الأرض ورجالك في جنيف يعطون المدينة هذا اللون الجاف الباهت الفظ، الذي بلا قلب ولا قيَم.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث