تشخيصات قاصرة

تشخيصات قاصرة
المصدر: خيري منصور

التشخيص الدقيق ليس نصف العلاج كما يُقال، إنه أكثر من ذلك، لأن أي خطأ فيه لا يُفاقم الداء فقط، بل يُعرض عضواً سليماً للتلاعب بعافيته، وثمة في السياسة تشخيصات قد تنتهي إلى نتائج كارثية، خصوصاً إذا مارسها الهواة ومن يظنون أن السياسة ليست من العلم في شيء، أو أنها مجرد حلبة مصارعة حرة وبلا حكم .

وحين تحدث انفجارات مجتمعية تأتي على الأخضر واليابس، فإن أول ما يُسارع به هواة التشخيص هو الدوافع السياسية الخالصة، وعزلها عن سائر المكبوتات المزمنة بدءاً من المكبوت الاجتماعي حتى المكبوت النفسي والجسدي، ونادراً ما يكلف هؤلاء الهواة أنفسهم بقراءة ما يكتبه اختصاصيون في علمي النفس والاجتماع ظناً منهم أن هذه العلوم مجرد معارف ونظريات أكاديمية، ولا تقدم حلولاً عاجلة لأزمات متفجرة، والصحيح أن ما تقدمه هذه العلوم هو الحل الجذري على المدى الأبعد، لأنها تحول دون تكرار الظواهر ذاتها في شتى المناسبات .

أذكر للمثال فقط، أن كاتباً إسبانياً واحداً قد انفرد بتحليل الحِراكات العربية خلال الأعوام الثلاثة الفائتة في ضوء مقدمة ابن خلدون واستطاع بالفعل أن يحفر بعيداً في باطن التاريخ، هو الكاتب غواتسلو . وكان الأجدر بالباحثين العرب وأحفاد ابن خلدون أن يقوموا بهذه المهمة، لكن مركبات النقص التي خلفتها الهزائم والإحباطات أفقدت هؤلاء ثقتهم ليس بأنفسهم فقط بل بسلالتهم كلها وما أنجزه أسلافهم عبر العصور .

لهذا بدت تشخيصات، وبالتالي معالجات ووصفات بعض الباحثين العرب أشبه بمن تخصص في أمراض البيئة الحارة ولكنه اتجه في عمله الميداني إلى سيبيريا أو الأسكيمو، ونحن ندرك أن القواسم المشتركة بين البشر عابرة للجغرافيا والأجناس، لكن لكل بيئة اجتماعية ثقافتها ومكونات مزاجها النفسي، وتجاوز هذا الشرط يوقعنا في التجريد الذي لا طائل منه .

لقد كان ابن خلدون سباقاً، حتى باعتراف علماء الاجتماع الغربيين، إلى فحص وتشخيص حالة الإنسان المغلوب، ومدى انجذابه وخضوعه لثقافة الغالب، فهو يتطوع بإرادته لأن يكون أسيراً لغالبه، بل رهينة له، عندما يبدأ بمحاكاته والتماهي معه . وهناك دراسات بالغة القيمة في هذا المجال لم تظفر بما تستحقه من اهتمام، منها ما كتبه المفكر الجزائري مالك بن نبي، والطبيب فرانز فانون الذي كرس علمه وحياته لثورة الجزائر، ومن أهم ما قاله الرجلان، على اختلاف المرجعية والأسلوب، هو أن المستعمر عندما يرحل رغماً عنه يترك وراءه من ينوب عنه، وهو الفكرة التي زرعها لدى ضحاياه حول أنفسهم . لقد انتهت بنا التشخيصات الخاطئة إلى إهمال العضو المصاب، وإصابة الأعضاء السليمة بالعطب .

(الخليج الإماراتية)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث