السيسي في موسكو

السيسي في موسكو
المصدر: سمير عطا الله

للمرة الثانية في تاريخ المنطقة تتخذ الإدارة الأميركية شريكا سياسيا لا علاقة له بالديمقراطية التي تنادي بها. المرة الأولى في الأربعينات عندما دعمت سلسلة من الانقلابات العسكرية بحجة أن هذه الأنظمة وحدها قادرة على مواجهة الانتشار الشيوعي، وكانت النتيجة ما شهدنا.

روسيا اليوم ليست البديل للذين يتطلعون إلى التخلي الرخوي الذي تظهره إدارة أوباما تجاه الدول الكبرى في المنطقة، وحيال الجماهير التي نزلت إلى ميادين القاهرة وصنعاء ودمشق وتونس وليبيا. فإذا كانت أميركا قد أظهرت الإهمال والتلكؤ حيال العرب، فإن روسيا البوتينية أظهرت الجريمة والتشجيع على القتل الجماعي. لقد سجلت موسكو في تاريخ مجلس الأمن أسوأ موقف في حق الإنسانية.

وعرقلت في جنيف الأولى، وأخواتها، الوصول إلى حل أو تسوية لعذابات الشعب السوري وآلام الشعوب العربية معه. إن السياسة الروسية «وقفَّتها» الصينية هي التي شجعت على اتساع الجحيم السوري، وتمدده، وتحوله إلى أوسع وأعمق منبع للإرهاب.

صورة رجل مصر القوي في موسكو في هذه الأيام، تعطي من النتائج عكس ما يراد لها. تغير الزمن الذي كان جمال عبد الناصر يذهب فيه إلى الاتحاد السوفياتي لكي ينكي الأميركيين. وكان عبد الناصر يذهب إلى موسكو طلبا للسلاح في حروب فلسطين، أما اليوم، فإن مصر مُلزمة بمعاهدة سلام، واسم فلسطين ليس مرفوعا حتى كشعار ورفع عتب. لقد تحولت المنطقة إلى مجموعات «فلسطينات»، أدمى وأرعب وأكثر هولا وتشريدا. وفي هذه اللحظات المريرة جدا، اختارت موسكو أن تعيق وتنقض حتى القرارات الإنسانية في مجلس الأمن. عندما كان بوتين يستحم في أضواء سوتشي، كانت طائراته تدك بيوت السوريين للسنة الثالثة. وكان مندوبه لدى الأمم المتحدة يتحدث لغة تَخجل من مصطلحاتها التماسيح.

يعتمد سباح سوتشي على ضعف الذاكرة البشرية وانعدام الذاكرة العربية. لكن التنكيل الروسي في النفس العربية لن يُنسى، ولن يُنسى موقف فلاديمير بوتين من جرحى ومصابي ومحاصري سوريا في مجلس الأمن وجُدران الصم في جنيف.

نعرف أن للدول الكبرى مصالح لا عواطف. ليس من مواقف أوباما وبوتين اليوم، بل منذ قيام الدول. لكن نعرف أيضا أن للشعوب حقوقا وللإنسانية قواعد وحدودا دنيا. وما يجري في سوريا ليس مسألة محليَّة، بل قضية إنسانية، تلعب فيها أميركا دور المتفرج، وروسيا دور الشريك. الدولتان تتصرفان وكأن ما يجري في سوريا والمنطقة امتحان لهما، في حين أنه محنة كبرى للإنسانية. محنة للضمير العالمي الميت والعجز الرخوي اللامسؤول. ما زال أوباما يطلق التحذيرات في شأن الكيماوي السوري. ألم يسمع تحذير دمشق: لا تسيسوا الكيماوي؟ ماذا تريدون أن نفعل به؟ «نلعب كورة»؟

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث