تحية إلى حمص

تحية إلى حمص
المصدر: إلياس خوري

ما هذا الإتفاق حول إخراج بعض المدنيين من أحياء حمص القديمة؟

الصور الآتية من المدينة تشير الى ما هو أكبر من فضيحة على المستوى الأخلاقي، السماح لمن تجاوز الخامسة والخمسين من العمر من الرجال بالخروج، بينما تستمر مصيدة القتل والإبادة!

الإمدادات الغذائية للمدينة المحاصرة تصل أو لا تصل؟ لا أحد يدري، ووقف إطلاق النار يصمد أو لا يصمد؟ لا أحد يستطيع أن يضمن شيئا، وإخراج الشيوخ والنساء والأطفال قد يستمر وقد لا يستمر.

أما قمة الفضيحة والنذالة فهي الحشود ‘العفوية’ للشبيحة في حيي عكرمة والنزهة بهدف منع دخول المواد الإغاثية الى المدينة!

الحكاية مزروعة بالألغام، كأن الحياة صارت طابة تتقاذفها الأرجل وسط تحويل الناس الى حطام.

لا أستطيع التعليق على هكذا اتفاق، هل هذا حصاد جنيف 2؟ هل هذه هي حدود الدعم الذي يستطيع العالم تقديمه للسوريين الذين يعيشون نكبتهم بصمت؟

الحكاية أيها الناس لها اسم واحد هو قتل البشر وإبادتهم. لم تعد سوريا ساحة لحرب فرضها النظام من أجل سحق الثورة، بل صارت ساحة للإبادة الجماعية. رحلة الإستبداد من قتل المتظاهرين السلميين الى الكيميائي الى البراميل لها اسم واحد هو الإبادة. لقد تجاوز الأسد الصغير مشروع تدمير سوريا، الذي لوّح به في بداية الثورة، وانتقل الى مشروع التطهير والإبادة بالمعنى الحرفي للكلمة. وما نراه في حمص أو في حلب هو التنفيذ العملي لهذا المشروع.

الإبادة هي الإسم الآخر للوحشية، توحيش الذات التي تبيد في سياق توحيش الذين يبادون. حلبة بلا قوانين ولا أخلاق، حلبة تُمحى فيها القيم بشكل مطلق، فيصير القتل هو الوسيلة والهدف في آن معا.

لم يسبق أن عاشت العرب في الزمن الحديث شيئا يشبه هذا، نحن أمام مغولية جديدة تستند هذه المرة الى نظام قمعي مركّب بني على نسق النظام الإستبدادي في كوريا الشمالية: ثالوث العائلة والمخابرات والمافيا، الذي نجح في تأسيس سلالة حاكمة، وقام على مبدأ واحد هو تحويل الناس الى عبيد.

النظام العبودي قائم على تحويل الناس الى لا شيء. حياتهم مثل موتهم لا معنى لها. وعليهم أن يرتضوا باللامعنى كي لا يصيروا في عداد الأموات. نظام يقوم على مراتبية استعبادية مطلقة، لا يوجد طبقة من الأحرار كما في الزمن الروماني تقوم باستغلال هؤلاء العبيد. كل الناس عبيد من أعلى الهرم الى أدناه، لذا لا مجال لأي نوع من المناقشة داخل النظام. وحين يرتفع أي صوت فإنه سرعان ما يخمد أو يختفي، لأن هذا النظام لا يحتمل سوى سيد واحد ينتمي الى العائلة التي تمتلك كل شيء.

فلسطين الشمالية، أي سوريا، لا تشبه سوى كوريا الشمالية. شعب من العبيد يجب ان لا يتوقفوا عن شكر أسيادهم وتمجيدهم. أما اذا تمرد العبد أو رفع صوته فإن مصيره هو الصلب والحرق والإبادة.

لقد نجحت العائلة الأسدية في تحويل الشعارات السياسية الى ممسحة واللغة الى لغو. ولم يستطع قاموس الممانعة والمقاومة الذي استوردته من إيران الملالي إنقاذها من عُته لغتها. بل أغلب الظن أنها نجحت في قتل لغة حلفائها الإسلاميين الإيرانيين وجعلتها جزءا من قاموس طائفي ومذهبي لم يكن يوما إلا أداة لتوحيش مجتمعات بلاد الشام وقتلها.

ظاهرة الكورنة (نسبة الى كوريا) لم يتنبه إليها سوى المخرج السوري الراحل عمر أميرالاي في فيلمه ‘طوفان في بلاد البعث’، لكنها بقيت ملاحظة عابرة لم يلتفت اليها خبراء الإستشراق الغربيون الذين يتمتعون اليوم بمشهد الدم السوري الذي يسيل، ويتلذذون بحفرة الصمت التي تحاصر المأساة السورية.

لم أكتب حتى الآن سوى وصفي للصمت. هل يمكن أن نصف الصمت بغير الصمت؟

لا يواجه السوريات والسوريون موتهم فقط، بل يواجهون أسوار الصمت التي تحاصرهم.

إنها ‘خيانات اللغة’ كما كتب فرج بيرقدار من جحيمه التدمري، خيانة اللغة مهددة بأن تتحول الى خيانات الصمت أيضاً.

السؤال هو كيف نكسر الصمت المضروب على معاناة السوريات والسوريين؟ كيف نستعيد اللغة في عالم لم يعد معنياً بقيم حقوق الانسان؟

المسألة ليست هكذا بالضبط، ليس صحيحاً أن الغرب لم يعد مهتماً بحقوق الإنسان وكرامته، لكنه ليس مهتماً بها هنا في بلادنا، أو هو لا يبالي، وهذا هو الموضوع، أخرجنا من دائرة الإهتمام، واستعاد فرضياته القديمة عن بربريتنا، وهــــو اليوم يتعامل مع موتنا بصفته حدثا افتراضيا تتناقله وسائل الإتصال الإجتماعية، كأنه فيلم طويل من المتعة القاسية.

هل صحيح أنه تم إخراجنا من أسرة الأمم ورمينا على أرصفة التاريخ الدموية، ام أننا ضحية لعبة صراع دولي لا يبالي بمصائرنا بل يقوم برتق فتوق الإمبراطورية الأمريكية الضعيفة والتعويض عن الإمبراطورية الروسية التي لم يعد لها سوى وجود رمزي؟

كوريا الشمالية تحافظ على نظامها الإستبدادي الذي تخيم عليه المجاعة والبؤس لأنها نقطة فصل بين الأمريكيين والصينيين ولا أحد يجرؤ على زعزعة هذا الفصل لأنه قد يقود الى الحرب.

أما سوريا فإنها تواصل مأساة خرابها لأنها نقطة تقاطع إمبراطوريتين عاجزتين جعلتا منها مختبرا للموت.

السؤال ليس موجها لأحد، إنه سؤالنا نحن، وعلينا نحن أن نعيد اختراع لغة المواطنة والحقوق قبل أن تندثر لغتنا وتتلاشى أرواحنا.

لذا تبقى حمص.

تعلن مدينة الحجارة السوداء والقلوب البيضاء، مدينة السخرية من المغول ومن تيمور لنك، أنها ستبقى رمزا في انتظار أن نستعيد قدرتنا على صوغ الرموز، وكرامة في انتظار أن نستعيد لغة كرامتنا من وحل الجوع والخوف والموت.

تحية إلى حمص.

(القدس العربي)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث