تَعْويض الضحية للجلاد

تَعْويض الضحية للجلاد

خيري منصور

لا نحتاج إلى حاسوب ذكي كي نعرف المطلوب من كل عَربيّ دَفْعُهُ كَتَعْويضٍ لليهود الذين كانوا يعيشون في البلدان العربية . فالرقم الكُلّي المطلوب هو ثلاثمئة مليار دولار، وعددنا كعرب هو ثلاثمئة مليون عربي . وبذلك تكون حصة الفرد العربي قد اتضحت لأن لعبة الأصفار سهلة .

بدءاً كم هو عدد اليهود الذين هاجروا من عشر دول عربية؟ وهل تم تَهْجيرهم بالفعل أمْ أن الحركة الصهيونية التي احْتَرفَت مقاومة اندماج اليهود في العالم هي التي سعت إلى خَلْعهم من السياقات الديمغرافية التي كانوا يعيشون فيها، لأن المعروف تاريخياً أن اليهود طالما وجدوا في الحضارة العَرَبية الإسلامية ملاذاً من الاضطهاد خصوصاً في الأندلس وباعتراف عدد لا بأس به من اليهود أنفسهم . لكن تداول رقم كالذي أوردناه كتعويض هو بمثابة المصادرة والاستباق لما يمكن أن تُلْزم به “إسرائيل” من تعويضات لأكثر من سِتة ملايين فلسطيني خُلعوا من جذورهم وَشُردوا على امتداد هذا الكوكب .

وثمة أمثلة عدة تُبَرْهن على أن الصهيونية هي التي سَعَتْ بالفعل إلى تهجير اليهود ومحاولة اجتذابهم بشتى الأساليب، بحيث صورت لهم العودة إلى “أرض الميعاد” كما لو أنها الخلاص الأبديّ والفردوس .

ففي أعقاب الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر بدأت محاولات صهيونية شرسة لمقاومة الاندماج لأن الشعارات الجديدة بَشرت بها الثورة وهي المساواة والحرية والعدالة تتيح لليهودي أن يندمج في المجتمع، وبعد ثورة أكتوبر الروسية تكرر المشهد . وتمّ اغتيال شخصيات يهودية مثل المفكر ابراهام ليون، ولم تتورع الحركة عن تَصْفِية يهود في مختلف البلدان التي يعيشون فيها خدمةً لاستراتيجية التهجير، لكن الرياح والعواصف هَبتْ بما لا يشتهي القبطان، وبدأ المهاجرون اليهود في فلسطين يصطدمون بصلابة الواقع الجديد وما يَعج به من تناقضات، وثمة فِئات يهودية منها “الفلاشا” أصبحوا يعانون القهر والتمييز ويعاملون كيهود من مرتبة أدنى، وإن كان اليهود الشرقيون أو السفرديم سبقوهم إلى اكتشاف الحقيقة كما هي، وليس كما تقدمها الميديا الصهيونية التي تلعب دور الصّياد الماهر والماكر معاً .

مَنْ يُعوّض مَنْ في هذه الدراما التاريخية؟ الشعب الذي شُرد وَذُبح في مَسْقط رأسه أم المستوطن الذي حلّ مكانه وصادر ممتلكاته وطارده في كل مكان؟

هذه اللعبة التي تستهدف قلب المعادلة وتحويل المفعول به إلى فاعل، والقتيل إلى قاتل لَمْ تولد الآن، فقد جرى التمهيد لها منذ عقود وبقيت في الأدراج بانتظار اللحظة المناسبة .

ويبدو أن هذه اللحظة قد أَزِفت بعد أن تعهد الراعي الأمريكي بإنهاء الصراع وحسمه خلال هذا العام وبعد مفاوضات حدد لها تسعة أشهر هي مدة الحمل التقليدية، لكنها انتهت كالعادة إلى حمل كاذب!

ثلاثمئة مليار دولار، تبحث عَمن يقسمها على ثلاثمئة مليون عربي، كي تكتمل الجريمة وَتُعَوضُ الضحايا جلاديها عن رصاصِهم وما بذلوه من جهد مقدس في ذبح الأطفال والنساء وحتى الشجر .

(الخليج الإماراتية)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث