حذار من هذا المستنقع

حذار من هذا المستنقع
المصدر: خالد القشطيني

مستنقع السياسة يعج بالقاذورات.. يفرض على الخائضين فيه والمراوغة والتراجع والانتهازية وكل ما يخطر على الذهن من حيل، ناهيكم بالاستفزاز. زج الدين النقي في هذا المستنقع إساءة بالغة للإيمان. يقوم الدين على قيم ومبادئ ووصايا ومعتقدات باقية خالدة.. السياسة نقيض لذلك، فهي تخضع للظروف الآنية ومستجدات الساعة، فتجبر أصحابها على تغيير برامجهم ومساراتهم وحتى مبادئهم، وهذا هو المعترك الجاري في الشرق الأوسط.. لديك أصوليون يريدون التمسك بأفكار، ورجال دولة ملزمون بالتفاعل مع الواقع.

فطنت أوروبا لهذا المطبّ ففصلت بين الاثنين.. «ما لله لله وما للإنسان للإنسان»، وجلّ هذا الازدهار المذهل الذي حققوه نتج عن هذا الفصل، فالحكومة عندهم تتصرف وكأنه لا يوجد دين في البلاد، والمؤسسات الدينية تعمل وكأنه لا توجد حكومة فكرست جهودها لأعمال الخير.. بدلا من أحزاب سياسية، أسس المتدينون شتى المنظمات الكبرى للأعمال الإنسانية؛ «أوكسفام»، و«سالفيشن آرمي»، و«كريستيان إيد».. ونحوها، بميزانيات تتجاوز المليارات تنفق أكثرها على مساعدة الشعوب الفقيرة.

كثيرا ما يموت نشطاؤها قتلا وفداء في مساعدة الآخرين بدلا من الموت في عمليات انتحارية إرهابية تقوم بها أحزابنا الدينية السياسية الإرهابية.

يا ليت الإخوان المسلمون يحتذون بذلك، فلا يوسخون أيديهم بقاذورات السياسة، وإنما ينصرفون لتطبيق رسالة الإسلام في مساعدة الآخرين.. في تعليم الأميين، وإسعاف المرضى، وإطعام الجياع، وخلق أعمال للعاطلين، ومساعدة الشعوب الفقيرة.. وكله بدلا من خلق المنازعات وتبديد الثروة الوطنية في زعزعة الأمن والاستقرار.

نشرت «نيويورك تايمز» مقالة مسهبة قبل أيام تعتبر تخلي أميركا والغرب عموما عن الشرق الأوسط مسؤولا عن الفراغ الذي استغلته الأحزاب الإسلامية في نشر كل هذه المنازعات الجارية. دخول الإسلام السياسي في الساحة هو العامل الأساسي في هذه المحنة التي نمر بها، وأعتقد أن لإيران دورا كبيرا فيها بمحاولة استخدام الدين أداة للتوسع والهيمنة، ودفع هذا الأطراف الأخرى لمواجهته بما تمخض عنه من حروب بالنيابة. أهم من تخلي إيران عن مساعيها النووية، تخليها عن سياستها التوسعية بما يطمئن الأطراف الأخرى ويسفر عن تقلص التصادم، والتعاون على بناء شرق أوسط فالح وسعيد.. وله من الثروات ما يؤهله لذلك.

يبدو أن المالكي في العراق وصل إلى حالة متوترة توحي باليأس من مساعيه في تحقيق الأمن وقهر الإرهاب.. أمامه سلاح بسيط لتحقيق ذلك، وهو أن يحكم بصفة رجل دولة يمثل عموم العراقيين بكل طوائفهم وقومياتهم، ولا ينطق ويتصرف كأنه «صمولة» في ماكينة الإسلام السياسي والانتماء الحزبي. كلمة واحدة باسم دين أو طائفة تجرح مشاعر أبناء الأديان والطوائف الأخرى، وتحد من انتمائهم للدولة وتدفعهم لمواقف سلبية منها وربما إشهار السلاح ضدها. لا بد من فصل الدولة في بلد كمصر والعراق، عن الانتماء السياسي الديني.. لقد اتبعت أوروبا وأميركا هذه الوصفة وأفلحت.. لا يجوز فيهما عرض الصليب في أي مؤسسة أو وثيقة.. رئيس حكومة الظل في بريطانيا يهودي وأوباما ابن رجل مسلم.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث