“مثلث الجهاديين” غير متساوي الأضلاع

“مثلث الجهاديين” غير متساوي الأضلاع
المصدر: عريب الرنتاوي

تبرأت القاعدة من فرعها العراقي، بعد أن دخلت “داعش” في حروب مفتوحة مع الجميع، وقارفت من الجرائم، ما بات عصياً على الاحتمال والتبرير-والأهم من كل هذا وذاك من وجهة نظرنا -بعد أن لاحت في الأفق إرهاصات تحوّل مركز “الجهاد العالمي” إلى المنطقة، وهو الذي استقر لثلاثة عقود في أفغانستان والباكستان، وبزعامة أبي بكر البغدادي (الكرار)، الذي يجلله غبار المعارك، بدلاً من أيمن الظواهري، الذي تُظهر رسائله المتلفزة، أنه يحظى برغد العيش ونظافة المأكل والمعاش واللباس.

تبرأت القاعدة من “داعش”، بعد أن اصطفت قوى سورية، بما فيها الفرع السوري للقاعدة (النصرة) في جبهة متحدة ضدها، مدعومة بتحالف إقليمي ودولي، ضم من ضمن من ضم، داعمين تقليديين لـ “قاعدة الجهاد”، إلى جانب دول عربية وإقليمية وعواصم القرار الدولي … “داعش” تخوض غمار عملية انتحارية “جماعية”، والقاعدة لا تريد التورط بأكثر مما تورطت.

والحقيقة أن “داعش” ليست في جوهرها، سوى “قاعدة ما قبل عشر سنوات”، أي قبل أن يكتشف التنظيم الدولي فضائل التكتيك في العمل الجهادي، من نوع تقديم معركة على أخرى، تحييد بعض الخصوم إلى حين، التركيز على العدو الأكثر خطورة، بناء تحالفات مؤقتة، تفادي التكفير بالجملة واعتماده بالتقسيط، إلى غير ما هناك من دروس تكشفت عنها تجربة القاعدة في العراق، حيث خاض ابن لادن والظواهري، بعض المعارك السياسية والفكرية مع فرعهم العراقي وأبو مصعب الزرقاوي قبل أن تصله “وحدة الموت” الأمريكية، ومن يدري، فربما لو ظل الزرقاوي على قيد الحياة، لكان تغير أو واجه من الظواهري ما يواجه “الكرار” اليوم.

ثمة من رأى أن الظواهري ما كان ليقدم على إعلان البراءة ممن وصفهم بأشرف المجاهدين، لولا إحساسه العميق بأن المعركة التي يخوضها هؤلاء، خاسرة لا محالة … ولا أدري بالضبط، ما الأثر الذي أحدثته مواقف المقدسي وأبو قتادة في تشكيل قرار قيادة القاعدة في أفغانستان (البعض يقول في درنة الليبية) … لكن من الواضح أن من بين العوامل التي ساعدت الظواهري على “تجرّع كأس السم”، أن لـ “داعش” والبغدادي بدائل أخرى في الشام، وأن النصرة بقيادة الجولاني، الفرع الرسمي للقاعدة في سوريا، تجد تأييداً من فصائل جهادية أخرى غير مرتبطة بالقاعدة، بل وتلقى دعماً من بعض عواصم في الإقليم، التي لا تخفي تفريقها بين “توأمي القاعدة” في الهلال الخصيب.

سحب الغطاء عن “داعش” سيؤثر عليها حتماً، فكثيرون ممن التحقوا بها من “جهاديي العالم”، إنما فعلوا ذلك لكونها عنوان التنظيم في ساحات الجهاد الممتدة من الفلوجة وحتى طرابلس الشمال … وقد نشهد بعد حين، انتقال العديد من هؤلاء إلى صفوف “النصرة”، فهي اليوم، الممثل الشرعي الوحيد للقاعدة في بلاد الشام، وللنصرة شبكة علاقات مع الفصائل الإسلامية من سلفيين وإخوان، تنضوي تحت رايات الجبهة الإسلامية، وقد خاض الجانبان وما زالا يخوضان أشرس المعارك، بالتنسيق مع بعضهما البعض، ومن ضمن غرف عمليات مشتركة، كما حصل في الهجوم الأعنف على سجن حلب المركزي خلال الأيام القليلة الفائتة.

وبعيداً عن “شؤون البيت الداخلي” للقاعدة والسلفية الجهادية، تحملنا التطورات الأخيرة في علاقات القوى الجهادية وتحالفاتها، إلى استذكار قصة الفشل الأمريكي الذريع، والتي تحمل اسم “روبرت فورد”، في جمع المعارضة وتنظيم شؤونها وتوسيع تمثيلها واستدراج الجبهة الإسلامية إلى صفوفها تمهيداً لانتقالها إلى “جنيف 2”.

فالرجل/ السفير، الذي أشرف على تشكيل الوفد السوري المفاوض، سعى جاهداً لضم “الجبهة الإسلامية” إلى صفوفه، وقال في وصفها بأنها معارضة إسلامية معتدلة، ولا ندري إن قصد بالاعتدال، وجود غرفة عمليات مشتركة مع “النصرة” التي تدرجها الولايات المتحدة في قائمتها السوداء للمنظمات الإرهابية … فورد وجد متسعاً زمنياً ونفسياً للحوار مع ممثلي الجبهة الإسلامية، ولم يحتمل عقله و”ضميره الغائب” حواراً مع هيثم مناع أو حسن عبد العظيم على سبيل المثال، فبئست السياسة وبئست المهمة التي نحمد الله أنه فشل في إدائها فشلاً ذريعاً، فاستحق أن يوصف بـ”بول بريمر” المعارضة السورية.

وفي الأنباء أيضاً ما يصفع السفير فورد وإدارته التي كلفته ملف تنظيم شؤون المعارضات السورية، فبعض أجنحة “الجبهة الإسلامية” التي التقاها فورد وتغزّل باعتدالها، لم تكتف بالعمل كتفاً إلى كتف مع “النصرة”، بل وأبرمت اتفاقات صلح مع “داعش”، وأعلنت براءتها من المشركين في “الجبهة الإسلامية والنصرة”، وجددت عزمها استئناف الجهاد في صفوف “الكرار” الذي كادت القوات العراقية أن تقترب منه، ويقال إنها أصابته في ساقه بعد أن قتلت عدداً من حراسه ومرافقيه في الفلوجة.

هذه هي قصة “داعش” و”النصرة” و”الجبهة الإسلامية”، المثلث غير متساوي الأضلاع، للجهاد والجهاديين في سوريا والهلال الذي كان خصيباً ذات يوم، ومن المتوقع لهذه القصة أن تأخذ أبعاداً أكثر درامية بعد القرار السعودي بإلحاق أقصى العقوبات ضد سعوديين يتوجهون للجهاد في الخارج، وعددهم في سوريا وحدها بحسب الفيغارو 2000 سعودياً، وبحسب المصادر السعودية 1400 “مجاهد”، يتولى كثيرون منهم مواقع قيادية متقدمة في صفوف التنظيمات الجهادية المختلفة، وهو القرار الذي يندرج في سياق مراجعات تجريها المملكة كما يقول إعلامها، لتفادي المخاطر المترتبة من عودة هؤلاء عشوائياً وبطريقة غير منظمة إلى بلادهم.

والخلاصة أن قائمةً لن تقوم للمعارضات السورية، طالما ظل روبرت فورد عراباً لها … وعلى واشنطن إن كانت مؤمنة حقاً بالحل السياسي للأزمة في سوريا، أن تلتفت لما يجري في القاهرة، من محاولات تبذلها هيئة التنسيق لتوحيد المعارضة خلف برنامج سياسي مدني ديمقراطي، بدل أن تصرف الوقت والجهد والمال في شمال وشرق سوريا وعلى الجانب التركي من الحدود مع سوريا، بحثاً عن معتدلين في صفوف الحركات الجهادية، تعلم أكثر مما يعلم غيرها، بأنها لن تجدهم أبداً هناك.

(الدستور)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث