نحن و”مهمة كيري”

نحن و”مهمة كيري”
المصدر: عريب الرنتاوي

خلال الأيام القليلة الفائتة، استجاب مسؤولون حكوميون كبار، لدعوات النخب السياسية الأردنية المطالبة بـ «كشف المستور» في مهمة كيري، وتباين مواقف الأطراف من أهم بنودها، فضلاً بالطبع، عن الحاجة لتعريف مصالح الدولة الأردنية وتبيان مواقفها من «اتفاق الإطار» الذي يعمل عليه الوزير الأمريكي ويسعى في ترويجه بشتى السبل والأدوات الممكنة.

لكن بعد كل التوضيحات و«الشروحات» التي قدمت للبرلمان أو عبر وسائط الإعلام، ما زلنا في الحقيقة نجهل بالضبط ما الذي جاء به كيري، وما الذي عرضه علينا، والحجة دائماً أن الرجل لم يقدم أفكاراً مكتوبة بعد، لكنه بلا شك، قدم أفكاراً شفهية، وهذه وحدها تكفي لتعريف الرأي العام الأردني بما يدور حوله، ويمس حقوقه ومستقبله من دون شك.

لكننا الآن، بتنا نعرف أمرين هامين: الأول، مصالح الدولة ومواقفها كما ارتسمت على ألسنة رئيس الحكومة ووزير الخارجية والناطق الرسمي باسم الحكومة، والثاني: أن السلطة الفلسطينية، ممثلة برئيسها وكبير مفاوضيها، تضع الأردن أولاً بأول في صورة التطورات الخاصة بمهمة كيري والمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، وأن كل ما كان يقال عن غياب الأردن أو تغييبه، لا أساس له من الصحة.

في تعريف مصالح الدولة الأردنية وتحديد مواقفها، يمكننا أن نوجز ما ورد على ألسنة أركان الحكومة على النحو التالي: الأردن يدعم قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة كاملة على أرضها وحدودها ومياهها وفضائها وعاصمتها … الأردن لن يتخلى بحال عن حقوق مواطنيه اللاجئين، من ذوي الأصول الفلسطينية، في العودة و/ أو التعويض … الأردن يرى أن القدس الشرقية هي عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة … والأردن متمسك بدوره في رعاية الأقصى والمقدسات … الأردن، بخلاف ما تزعم إسرائيل، ليست لديه مشكلة في وجود الفلسطينيين على حدوده الغربية، وهو يرفض المبالغة في الترتيبات الأمنية الإسرائيلية المقترحة، والتي قد تمس أمنه وتؤثر عليه.

عند إمعان النظر في هذه المصالح/ المواقف، ومقارنتها بما تم تسريبه من مصادر متطابقة عديدة، عن جوهر مهمة جون كيري وأفكاره، لن يجد المراقب صعوبة أبداً في الوصول إلى خلاصة مفادها أن ما يحمله الوزير الأمريكي في جعبته، يتعارض مع مصالح الدولة الأردنية ومواقف حكومتها، أو على أقل تقدير، وبلغة أكثر دبلوماسية، لا يستجيب للحد الأدنى من هذه المصالح، مع أن الأردن ما انفك يعلن تأييده ودعمه لمهمة كيري وجهوده لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مفاوضات و»عملية سلام».

بالطبع، ليس مطلوباً من الدبلوماسية الأردنية أن تقف بالمرصاد لمهمة كيري، ولا أن تناصب زعيم الدبلوماسية الأمريكية العداء، وأن ترفض مفاوضات قبلها الفلسطينيون أنفسهم، وأن تمتنع عن التعامل مع وزير أمريكي، يجهد الجانب الفلسطيني في تفادي غضبه وتحاشي ردات فعله على أية عرقلة أو إعاقة لمهمة الرجل المدعوم دولياً، وليس أمريكياً فحسب.

لكن الصراحة والمكاشفة، تقتضيان وضع الأمور في نصابها، حتى لا نؤخذ على حين غرة، ولا نترك انطباعات غير حقيقة في أوساط شعبنا والرأي العام … فمشروع كيري لا يمكن أن ينتج دولة فلسطينية مستقلة وكاملة السيادة على أرضها وفضائها وحدودها، بل دولة من نمط «الجبنة السويسرية» المحاطة بأطواق إسرائيلية أمنية واستيطانية، تجعل السيادة أكذوبة، والاستقلال بدعة … ومشروع كيري لا يخرج عن ورقة كلينتون الشهيرة بخصوص اللاجئين، والتي تلحظ عودة رمزية منهم إلى ديارهم الأصلية، ومن باب «جمع شمل العائلات، وللجيلين الأول والثاني فقط من اللاجئين»، فكيف يمكن التوفيق بين دعم مبادرة كيري وحفظ حقوق اللاجئين في العودة، استطيع أن أفهم حفظ حقوق اللاجئين في التعويض أو العودة للدولة الفلسطينية أو الهجرة مجدداً إلى بلد ثالث أو البقاء حيث هم، فهذه هي خيارات كلينتون/ كيري، وهذه هي الترجمة الأمينة لمبادرة السلام العربية من باب الإنصاف، حتى لا نعطي تلك المبادرة أكثر مما تستحق.

أما في خصوص القدس الشرقية، فهي ما زالت من وجهة النظر الإسرائيلية جزءاً من «العاصمة الأبدية الموحدة»، أما من وجهة نظر جون كيري، فللفلسطينيين الحق في التطلع لعاصمة «في القدس»، وليس لجعل القدس الشرقية عاصمة لدولتهم، وشتان بين التعبيرين، أما الرعاية فلا مانع لدى كيري أو الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي من استمرار الرعاية الهاشمية للمقدسات، لكن هناك محاولة لاستدعاء أطراف عربية وإسلامية أخرى إلى ممارسة دور الرعاية، ولا أرى خارج «التطبيع» أي مغزى لهذه المحاولة، فالقدس الشرقية سياسياً، يجب أن تخضع للولاية الفلسطينية، ودينياً للرعاية الأردنية، ولا حاجة لنا باستدعاء أي جهات إلى هذا المضمار.

الأردن، دعم الموقف الفلسطيني الرافض لـ «يهودية الدولة»، ومشروع جون كيري يقوم ابتداء على «دولة الوطني القومي للشعب اليهودي»، مقابل دولة الوطن القومي للشعب الفلسطيني … هنا أيضاً تتسع الفجوة بين أفكار كيري من جهة ومصالح الدولة الأردنية ومواقفها من جهة ثانية.

خلاصة القول، أنه لا يمكن لأحد ادعاء أن أفكار كيري ومشروعه، تستجيب لمصالح الدولة الأردنية وتلتقي مع مواقفها، وسيكون من الصعب التجسير ما بين حد أدنى يمكن للأردن أن يقبل به، وحد أقصى يمكن لكيري أن ينتزعه من براثن الإسرائيليين وأنيابهم، وقريباً سنكون أمام لحظة الاختيار والاختبار: فإما القبول بمشروع كيري والتخلي عن جزء من مصالحنا والتراجع عن بعض مواقفنا، ودائماً تحت شعار ليس بالإمكان أبدع مما كان، وما يدرك كله لا يترك جُلّه، وإما رفضه مع كل ما قد يترتب عليه من ضغوطات وتحديات، أو قبوله على نحو مشروط، وبسلسلة من التحفظات، وسنرى خلال أسابيع معدودات، كيف سيكون سلوك الحكومة في ملف بدأ يشغل الرأي العام ويتصدر جدول أعماله، ويثير الكثير من إمارات القلق والتحسب.

(الدستور)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث