الدكتور إيغناز

الدكتور إيغناز

سمير عطا الله

كان إيغناز شيمليس طبيب توليد في هنغاريا. أراد وضعا ماديا أفضل فانتقل إلى العمل في فيينا. بعد فترة لاحظ أن أما من كل عشر تموت على سرير التوليد. اقترح، بتواضع، على الإدارة أن يغسل الأطباء أيديهم جيدا؛ فهم يأتون مباشرة من عمليات جراحية أخرى إلى جناح التوليد حاملين معهم جراثيم المرضى الآخرين. سخرت الإدارة منه وقال الأطباء من أين جاءنا هذا الهنغاري؟ استمر موت الأمهات، وأخيرا قرر الأطباء الإصغاء إلى الهنغاري. توقف الموت وتعلم الأطباء أن الجراثيم معدية وقاتلة وأن الكبرياء تافهة.

يموت ملايين الناس لأن المتكبرين والأدعياء والمغرورين يرفضون الإصغاء إلى نصيحة. يعتقدون أن المشورة إهانة لعبقرياتهم ومعارفهم. والنتيجة استمرار الموت الفظيع في جناح التوليد. ملايين البشر ذهبوا ضحية الغرور.

يتطلب الأمر أن تكون فائق الشجاعة وعميق الحكمة لكي تصغي إلى رأي تعرف أنه ضد رأيك. كان في «النهار» مجلس تحرير يجتمع كل يوم برئاسة غسان تويني، تعرض فيه المواقف من قضايا اليوم. وكان ميل الأكثرية إلى تأييد وجهة نظر الرئيس. هو، كان يتوقف عند الصوت المعترض، ويصغي. ويعبر عن تقديره، سواء قبل ذلك الرأي أم رفضه.

إذا كنت لا تسمع لا يمكن أن تتعلم. وإذا كنت غاضبا لا يمكن أن تعدل، خصوصا حيال نفسك. في السبعينات ذهبت إلى رجل متقدم في السن أتوسط لديه أن يلتقي سياسيا شابا. كان جوابه شبه الحرفي: «يا ابني، تجربتك في الناس لم تنضج بعد. الطبع الغاضب لا يؤتمن، لأن هدوءه لا يطول. والغاضب لا يحاور لأنه لا يطيق أن يسمع سواه. أنا لا أريد أن أرد طلبك لكنني أريد أن أوفر عليك الخيبات».

توقفت عن إحصاء الخيبات والرجل لا يزال يوزع الغضب. وصاحب الحكمة غاب منذ سنين دون أن يلتقيه. لم يشأ أن يضيع وقته. فقد مر بتجارب كثيرة من قبل وكلها علمته أمثولة واحدة، وهي أن الرجل الغاضب إنسان متهور لا يرتدع. أصغى أطباء مستشفى فيينا إلى الطبيب الهنغاري بعدما تسببوا في وفيات مجانية كثيرة. ثم أصغت إليه جميع مستشفيات العالم. الغرور يقتل والحكمة خلاص.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث