سيرة غير مزيدة وغير منقحة

سيرة غير مزيدة وغير منقحة

سمير عطا الله

عندما أدرك ياسر عرفات أنه أوشك أن يصبح القائد الفلسطيني الذي يحلم بأن يكونه، راح يدرس المعالم التي سوف يرسمها بنفسه: هل يتخذ صورة المفتي، الحاج أمين الحسيني؟ لا. سوف تحصره في مظهر ديني. هل يقلّد سلفه في رئاسة منظمة التحرير، أحمد الشقيري؟ لا. إنه ذو معالم كلاسيكية غربية وربطة عنق. هل يقلد جمال عبد الناصر المستحوذ على الجماهير العربية؟ أخيرا، وقع اختياره على صورة عبد القادر الحسيني: الكوفية الفلسطينية والعقال وبذلة الكاكي التي طبعت صورة الرجل في المخيّلة الفلسطينية. لم يكن يترك شيئا للصدف. لا شيء من دون تخطيط مسبق. لقد وضعت عن عرفات سِيَر كثيرة، أكثرها مشغول بجدّ، لكن معظمها كلاسيكي وضعه باحثون لم يعرفوه أو عرفوه قليلا. السيرة التي وضعها نبيل عمرو (دار الشروق، الطبعة الثانية) شديدة الاختلاف وبالغة التميُّز. الرجل الذي رافق عرفات في المنفى، ثم وزيرا في السلطة، يقدم دراسة مثيرة لشخصيّة الرجل في كل لحظاتها التاريخية: من مجد بيروت العسكري إلى رجل تهرب منه الناس حيثما تراه، خوف أن تُقصف معه. من حاكم في لبنان إلى لاجئ في اليمن، يحلم «بدولة» فوق جزيرة كمران. بل فكر جدّيا بتوسيع «جزيرة الأرانب» قرب طرابلس، لبنان، وردم البحر.

يسمّي نبيل عمرو التيه الذي عاشه ياسر عرفات، من عمان إلى بيروت مرورا بسوريا: «جنون الجغرافيا». لم يلتقط أحد من قبل هذا الوفر في مأساة الرجل الذي طالما قال: إنه إذا أخذ أريحا، فسوف يقيم فوقها دولة. في هذه الدراسة الوصفية الصريحة نرى ياسر عرفات ينشئ الفرق الموسيقيّة التي تعزف النشيد العسكري، ويشكِّل فرق الاستعراض التي تستقبل ضيوفه. أو نراه يذهب شخصيا إلى جبل تربل في شمال لبنان، حيث يستطلع إمكانات إقامة مطار فوقه. ومن يعرف المنطقة سوف يعرف أن الفكرة مضحكة. يقدم نبيل عمرو زعيمه السابق كرجل خوارق وإخفاقات وغرائب. رجل بسيط الحياة، ضعيف الجسم، وذو طاقة كبيرة على التحمّل والعمل والتنقّل بين قطرات الخطر. أعداؤه ليسوا في إسرائيل وحدها، بل في قلب الفصائل الفلسطينية، ناهيك بالدول العربية. السيرة التي يكتبها نبيل عمرو فيها حميميّة غير موجودة في تلك التي كتبها المراسلون أو المؤلفون الأجانب والعرب. وهو لا يدّعي لنفسه أكثر من دور الشاهد القريب. فلم يكن ذا مكانة خاصة أو نافذة عند رئيسه، بل كان عليه، أحيانا، أن ينتظر ثلاث ساعات عند السكرتيرة «أم ناصر» قبل أن يأذن له بالدخول. في عرضه لشخصية أبو عمار، يعرض نبيل عمرو للرجال الكبار الذين كانوا يحيطون به، موضحا أن أبو إياد، الذي عرف بـ«الرجل الثاني»، لم يكن بالفعل الرجل الثاني ولا كان يعنيه الأمر. ويتوقف عند مثقف منظمة التحرير خالد الحسن، أبو السعيد. وربما كان ما يعرضه المؤلف معروفا، أو شائعا، لكن أحدا لم يقدم تلك المرحلة الدرامية من التاريخ الفلسطيني بمثل هذا الصدق وهذه البساطة. يقول عمرو عن نفسه إنه إعلامي يقدم الأشياء ببساطة، لكنه في سيرة أبو عمار، يبدو روائيا. كان يقصد، منذ اللحظة التي بدأ فيها العمل مع أبو عمار، أن يضع هذا العمل الأدبي المليء بأحداث سياسية.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث