مقدمات منسية لما يجري

مقدمات منسية لما يجري
المصدر: خيري منصور

في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، وقبل أن يصل العالم العربي إلى الحافة، ظهرت كتب لساسة ومفكرين من مختلف الأيديولوجيات كانت عناوينها وحدها تستحق وقفة مطولة لتأمل ما يجري داخل النفس العربية من هواجس وشكوك، ولو أخذنا ثلاث عينات فقط هي على التوالي “البحث عن الذات” للسادات و”فلسطيني بلا هوية” لأحد قادة فتح “أبو إياد” و”لعنة وطن” لكريم بقردوني الرئيس السابق لحزب الكتائب، لوجدنا أن العربي كان يودع النصف الأول من القرن العشرين حائراً وتائهاً وبلا بوصلة.

رئيس أكبر دولة عربية أطلق على مذكراته ذلك العنوان الذي يوحي بأن الذات كانت تائهة وبلا إطار أو حدود، لهذا جرى البحث عنها، وأحد قادة حركة مقاومة رأى من خلال تجربته أن الفلسطيني بلا هوية، رغم أن هويته لا تحتاج إلى فرز تاريخي، لهذا كان الإحساس بفقدانها أو نقصانها على الأقل سببه جغرافي.

لأن الفلسطيني عربي ينتسب إلى أمة، تمتد بين ماءين، وما جرى للبنان وفي لبنان أيضاً من نزاعات وما سال من دماء حوّل الوطن من نعمة إلى نقمة، بل إلى لعنة كما سماه بقردوني، ولو كان لدينا مؤرخون يحللون الظواهر ولا يقتصر جهدهم على وصفها وسردها لاستوقفتهم تلك الكتب العديدة التي اكتفينا باختيار ثلاثة منها تعبر عن مواقف متباينة ومتباعدة أيديولوجياً وسياسياً، لهذا كان من الواضح أن العربي يتهيأ لدخول الألفية الثالثة من دون التأهيل الكافي، ليس فقط علمياً وثقافياً، بل من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وحين ننظر إلى الوراء قليلاً ونتأمل العقد الأخير الذي ودعنا فيه القرن العشرين نجد أن ما حدث فيه كان أضعاف ما حدث خلال قرن أو أكثر، وفي الوقت الذي احتفل فيه الألمان بهدم سور برلين وبدأت أوروبا تبحث عن سياق تلتئم فيه، كان العرب منهمكين في غزو بعضهم، وتكفير البعض للبعض الآخر وبالتالي دخول القرن الجديد على نقالة وليس فقط على عكازين، وما يجري الآن ليس نبتاً شيطانياً أو مجرد سوء حظ أو بمحض المصادفة، إنه نتاج ذلك التيه القومي وتلك الشكوك حول ما كان بالأمس من المسلمات بل من المقدسات الوطنية .

إن أسوأ ما تبلغه أمة حتى لو كانت من أعرق الأمم هو استخفافها بأمراضها وبالتالي تحولها إلى مسألة أو موضوع على مائدة الآخرين وتحت ما يجربونه فيها من حقن تخدير ومباضع جراحية.

نجزم احتكاماً إلى منطق وحيثيات وأرقام أيضاً أن العالم العربي كان بإمكانه أن يتدارك ما انتهى إليه، وكان حزيران 1967 قد وفر لنا جميعاً فرصة نادرة لإعادة النظر في كل شيء .

لكن ذهنية التبرير وتبادل التأثيم والتجريم فوتت فرصة المراجعة الجذرية والنقد الذاتي الذي ينقذ ما تبقى من شرايين لم يصلها التجلط والعطب. وهناك كتاب صدر في تلك الآونة بعنوان ينتمي إلى السلالة ذاتها وهو حدود الهوية القومية للأكاديمي د. نديم البيطار، لكنه كان مفارقاً لذلك التيه، وقارعاً للأجراس لكن ساعي البريد كالعادة أعاده إلى صاحبه لأنه لم يجد عنوان المرسل إليه.

(الخليج الإماراتية)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث