تقاليد القتال العشائري في العراق

تقاليد القتال العشائري في العراق
المصدر: خالد القشطيني

المنازعات والقتال بين القبائل ظاهرة عالمية وقلما نجا منها أي بلد عربي. ولكن العراق أخذ أكثر من نصيبه منها. انظروا ما يجري في منطقة الأنبار في هذه الأيام. لم أعد أعرف أي قبيلة تضرب أي قبيلة. يستهل جورج رو كتابه الموسوعي «العراق القديم» بالقول إن جغرافية العراق فرضت عليه نوعا من الزراعة يؤدي إلى المشاحنات والحروب المستمرة. والآن زاده النفط اشتعالا. وكان لا بد لهذا التاريخ الطويل، آلاف السنين، أن يترك آثاره وتقاليده على فلكلوريات الحرب. يأتي في المقدمة استعمال القصيد والأهازيج.

هناك نوع من الديمقراطية في الحياة القبلية يرجع تاريخه إلى أيام سومر. فشيخ العشيرة لا يتخذ قراراته بملء إرادته، ولا سيما فيما يتعلق بالحرب. يجري اتخاذ القرار بعد مشاورة رجال القبيلة وحكمائها. وحالما يتخذون القرار بالحرب ينبري من القوم شاعر ينشد بيتا أو بيتين من الشعر تبريرا للقرار ودعوة للقتال.

بها السوق الله يبيع اجنانه

الثانية بحيدر منصوبة

من غير المر ما يتولد

نسقيه من مرنا اللي ما ذاقه

ما إن ينتهي الشعراء من القول حتى تقرع طبول الحرب بإيقاعها الرتيب العنيف فينبري الرجال ويتشابكون ويشكلون حلقة الدبكة. وعلى إيقاع الطبل الدمّام يضرب الراقصون الأرض بأقدامهم عنيفا حتى يتعالى التراب وتلفهم سحابة من الغبار. إنها رقصة الحرب. يرتجل شاعر منهم هوسة (أهزوجة) في المناسبة، ينشدونها على أنغام الطبل:

اللي ما يهيّب (ما يخاف) يمد إيده

جاك الموت اسمع يا خاين!

الدبكة العربية لا تشارك فيها المرأة كما يفعلون في كردستان. إنها عندنا عملية رجالية حربية صرفة، لا مكان للمرأة فيها. تحتشد النساء على جانب من المشهد، تتعالى هلاهلهن وزغاريدهن وهتافاتهن وهن يلوحن بعباءاتهن وفوطهن. كثيرا ما ينشدن أهزوجاتهن في تشجيع الرجال وحثهم على القتال:

حل فرض السادس قوموا له

بالدم يتسجل خلوها

وبعد أن يدخلهم الرقص والغناء في لجة من الحماس والانفعال يتناول المقاتلون أسلحتهم ويهرعون لجبهة القتال. ويبدأ الطق (إطلاق الرصاص).

«أنا أخوك يا فطيمة!»، يصرخ المقاتل العراقي عند الضرب. العراقي لا يقاتل باسم حبيبته أو زوجته كما يفعل الشفاليه في أوروبا، أو في الواقع كما قاتل عنترة العبسي يتذكر عبلة:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل

مني وبيض الهند تقطر من دمي

يقاتل العراقي دفاعا عن عرضه، والعرض عنده رابطة دم. يصرخ وهو يجود بروحه في القتال: أنا أخوك يا فطيمة، أو أنا ابنك يا حسينة!

**عن الشرق الأوسط
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث