ربيع اليرموك!!

ربيع اليرموك!!

إذا كانت مجزرة صبرا وشاتيلا فضيحة عصرنا حتى الابد كما وصفها محمود درويش فإن ما يحدث الآن في مخيم اليرموك هو عورة عروبتنا حتى القيامة، فالفلسطيني الذي اخطأه رصاص الأعداء أصابه رصاص الجوع والوعود بالعودة عاد بالفعل لكن الى مخيم آخر.

أما الأسماء التاريخية التي طالما زهونا بها كاليرموك وميسلون وعين جالوت وحطين فهي الآن أسماء مستعارة لهزائم وفضائح كأن الحاضر بكل عفنه قد فاض وتمدد نحو الماضي ليلوثه ايضا.

ماذا نسميهم؟ شهداء الجوع أم شهداء الربيع الاسود؟ أم هديتنا القومية لاسرائيل التي سوف تقول للعالم انظروا ماذا فعل العربي بالعربي قبل ان تسألوا ماذا فعلنا بأهل النقب او مخيم جنين؟

لقد تراجعت أحلام اللاجىء الفلسطيني من العودة الى البحث عن ملجأ آمن، ومن التحرير الى علبة حليب او قرص اسبرين، والاطفال الذين شاهدناهم في مخيم اليرموك اكلوا حتى الورق لكن عظامهم الناتئة التي تنذر بصوملة العالم العربي كله هي الخطاب البليغ الذي يتراجع امامه كل خطاب اعلامي محشو حتى النخاع بشهادات الزور.

من حق الفلسطيني في هذا الهولوكوست القومي أن يعيد قراءة التاريخ من أوله ليعرف من كذب عليه ومن بنى بيتا من رخام بثمن خيمته.

ومن حقه ايضا ان يردد مع ذلك الشاعر الجريح… ظلم ذوي القربى اشد مضاضة.

عشرات يموتون بفضل محاصيل هذا الربيع الذي لم يبق ورقة واحدة على شجرة ولم تسلم منه حتى اوراق التوت لهذا فالعورات تستغيث بمن يسترها دون جدوى.

لقد تحول هذا اللاجىء ذات يوم الى ملجأ ومن لائذ الى ملاذ، لكن عدد اللاجئين الفلسطينيين خرج من موسوعة غينس وكل الموسوعات لأن هناك ارقاما تنافسه، فالامة الآن كلها من اللاجئين سواء داخل الاوطان وفي عقر البيوت او في المنافي عبر القارات الخمس، وقد يعثر رواد الفضاء ذات يوم على لاجئين من العرب في المريخ والزهرة وبلوتو!

من استطاع ان ينهي وجبة العشاء او الغداء ويتجشأ وهو يتحسس كرشه بعد مشاهدة أمة تبحث عن نوى الزيتون في حاوية القمامة عليه ان يعترف بان الفئران اكرم منه والافاعي ارحم منه والضبع الذي يعيش على ما تبقى من الجيف أرأف منه.

كم انفق العرب في هذا العصر من الثروات على غرائزهم وعلى حروبهم البسوسية وعلى اعدائهم ايضا، بحيث لم يعد لديهم ما يطعمون به طفلا فلسطينيا ولد وعاش ومات في مخيم.

كم ثورة وكم انقلابا وكم حركة تصحيحية وصلت الى السجادة الحمراء باسم دم أبيه ودم أمه وعرقه؟

اليرموك، ليس مخيما واحدا بل هو اسم سلالة من المخيمات التي تحولت الى عورات في الجغرافيا وفضائح اخلاقية في التاريخ.

هذا هو اضعف الايمان في التعليق على ما رأينا ولو كانت مساحة الحرية المتاحة في العالم العربي من الماء الى الدم تكفي كاتبا واحدا.. او حتى مقالة واحدة لقلنا ما يجب ان يقال على طريقة ذلك المختار الذي قال: هكذا عريضة تحتاج هكذا ختما!!

*الدستور الأردنية

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث