شهداء بلا شهود

شهداء بلا شهود

خيري منصور

من حق أي فنان عربي جدير بهذه الصفة أن يقف على أعلى مرتفع في بلاد العرب ويصرخ بأعلى صوته قائلاً: قد ذهبت صرخاتنا سدى، ليس لأنها في البرية فقط، بل لأنها مآتم موسمية ما أن تنتهي طقوس العزاء حتى يسدل الستار وتعود حليمة العربية إلى عاداتها القديمة، كما يقال .

فهل هي ذاكرة غربالية لا تؤتمن على الأحداث، أو أن هناك من يعكفون في مختبرات سياسية وإعلامية لبث فيروس شيطاني اسمه الزهايمر، بحيث تنسخ الوقائع بعضها، وتنسينا المذابح بعضها أيضاً، فنعود دائماً إلى أول السطر كأن شيئاً لم يكن؟

لقد سبقنا الراحل نزار قباني بعقود عدة حين قال ذات حزيران يلفه الصقيع رغم سطوع شمسه: حرب حزيران انتهت كأن شيئاً لم يكن .

يومها وجد قباني من يشي به وبما كتبه على هوامش النكسة للزعيم عبدالناصر، لكن عبدالناصر الذي دافع عن أم كلثوم كما لو أنها هرم رابع بعد محاولة البعض من الرقباء منع أغانيها بعد ثورة يوليو، فعل ذلك مع أكثر من فنان ومثقف عربي .

والمسألة ليست كما يرى البعض جلداً للذات أو نوعاً من الماسوشية التي تجعل ضحاياها يتلذذون بالألم وهجاء أنفسهم .

ومن دون النقد الذاتي سوف تتكرر كوميديا الأخطاء، ويتوهم البعض أنهم معصومون، وأن ما يصدر عنهم، حتى لو كان من الحماقات، يجب أن يكون فوق النقاش ويقابل بالتصفيق باليدين والقدمين معاً .

إن ما كتب وأنشد وغني عن الحرية في العالم العربي تنوء بحمولته قارات، فهل ضاع في الطريق وجف كالأنهار لأنه لم يجد مصباً؟ أو أن هناك عوامل جرى السكوت عنها والتواطؤ عليها مما جعل التشخيص خاطئاً، وبالتالي لم يجد الدواء طريقة إلى الداء؟

أننا أحياناً نظلم مثقفينا وفنانينا حين نصدر عليهم أحكاماً وفتاوى بالجملة ومنهم من يستحق الإنصاف، سواء كان حياً أو ميتاً .

وليس ذنب هؤلاء أن صرخوا في البراري وعاد إليهم صدى الصوت، لأنه ما من مصافحة بيد واحدة، بحيث يصافح الإنسان نفسه، وما من رقصة من طرف واحد .

أن غياب التفاعل بين المنتج والمتلقي له أسباب أخرى غير كل ما يقال عن ارتفاع نسبة الأمية والعزوف عن القراءة، لأن الشجون الوطنية لا تحتاج إلى أكاديميات، تماماً كما قال الشاعر الجزائري مالك حداد خلال ثورة بلاده على الاستعمار الفرنسي: “لا يحتاج العصفور إلى الدخول إلى معهد موسيقي، وما من بلبل تأبط ذات يوم نوتة موسيقية تحت جناحه” .

في العقود الماضية شهد العقل العربي نزفاً غزيراً بسبب هجرة الكفاءات، وبقاء من تلقوا العلوم في دول العالم حيث هم رغم حاجة شعوبهم الماسة إلى كل طاقاتهم، ثم جاءت الموجة الثانية من النزف فهاجر فنانون ومثقفون رغماً عنهم بسبب حالة الاضطراب والفوضى، وإذا استمر هذا الوضع فإن واقعاً مأساوياً بكل ما يعج به من ضحايا سيبقى محروماً من الشهود رغم وفرة الشهداء .

(الخليج)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث