تونس … أول الربيع وأول الإلهام

تونس … أول الربيع وأول الإلهام
المصدر: عريب الرنتاوي

توفر تونس نموذجاً أكثر سلاسة للانتقال إلى الديمقراطية، لا لأنها أول الربيع العربي فحسب، بل لأنها دفعت الكلفة الأقل للانتقال الديمقراطي بين نظيراتها من دول الربيع العربي الأخرى، وما حصل خلال الأيام الماضية من تطورات على صعيد صياغة دستور توافقي جديد، وتشكيل حكومة محايدة تشرف على تنظيم الانتخابات خلفاً لحكومة “النهضة” وشركائها، يُعطي أملاً لشعوبنا، وليس للشعب التونسي وحده، بأن الانتقال للديمقراطية أمر ممكن، بل وقد يكون أمراً غير مكلف، أو بالأحرى، غير باهظ الكلفة على أقل تقدير..

للفرادة التونسية في تجربة الربيع العربي أسبابها وجذورها وسياقها … فتونس من جهة، مجتمع متجانس (تقريباً) على الصعيد الوطني والمذهبي والطائفي … والمؤسسة العسكرية التونسية ليست مسيّسة ولم تتورط في مجرى دفع التغيير أو منع حدوثه، لا في زمن زين العابدين بن علي ولا في عهد النهضة، بخلاف الحال في ليبيا وسوريا ومصر … وفي تونس ثمة مجتمع مدني قوي ومقاتل، وحركة فكرية وثقافية وسياسية متفتحة على المدنية والحداثة، وهناك موروث كبير للحركة النسائية فيها، مستمد من إرث “بورقيبة”، ما يجعل من العصي على أية أوتوقراطية أو ثيوقراطية، أن تطوّع المجتمع التونسي بسهولة.

من بين الحركات الإسلامية (الإخوانية) في العالم العربي، تعتبر النهضة إلى جانب “العدالة والتنمية” المغربي، الأكثر مدنيةً وحداثةً وانفتاحاً على الموروث الحداثي … هذا سهّل إلى حد كبير، اتجاه الحركة للانفتاح على المكونات التونسية الأخرى، وبناء شراكات وائتلافات لإدارة مرحلة الانتقال، لتتسع هوامش الانفتاح بعد ذلك إلى ما بعد “الترويكا” الحاكمة، وتجربة الحوار الذي أشرف عليه “رباعي الوساطة”، وبمشاركة الجميع، يعكس من جهة مستوى متطور من الانفتاح على الآخر، عند إسلاميي تونس وعلمانييها، مثلما يعكس من جهة ثانية، الدور الريادي والمتطور للمجتمع المدني الذي لم يترك للأحزاب والساسة أمر البلاد، فخاض واحدة من أهم تجارب الوساطة وفض النزاعات وتجسير الفجوات، وبنجاح يسجل له.

ولعبت التطورات المحيطة في الإقليم المحيط بتونس، دوراً مركزياً كذلك، في تخليق رأي عام تونسي مستجيب للحوار ومنفتح على الآخر وميّال للحلول والتسويات على قاعدة المشاركة لا المغالبة … فالبلد العربي الصغير محاط بدولتين شهدتا أبشع صنوف الاقتتال الأهلي … الجزائر في عقد التسعينيات وحربها التي أزهقت أرواح أزيد من مائة وخمسين ألف مواطن، وليبيا التي ما زالت تسبح في بحر من الفوضى ودماء أبنائها وبناتها، وتنتظرها أكثر سيناريوهات المستقبل، مدعاة للقلق والتحسب.

وجاءت التطورات في مصر، والمصائر التي آلت إليها جماعة الإخوان المسلمين ونظام حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، لتوفر لإسلاميي تونس درساً قاسياً، ولتعجل في مسيرة انفتاحهم على الآخر وتُعمقها، ولتغلب عندهم، خيار المشاركة لا “المغالبة” الذي حكم سلوك إخوان مصر على سبيل المثال لا الحصر، وكان وبالاً عليهم وعلى البلاد والعباد عموماً.

ومن قرأ مراجعات الشيخ عبد الفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضة والتي أدلى بها في مؤتمر “الإسلاميون والعلمانيون … نحو رؤية توافقية لاجتياز مرحلة الانتقال للديمقراطية” والذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية في عمان وعلى هامشه، يدرك حجم الفجوة التي تباعد خطاب إخوان تونس عن خطابات إخوانهم في عدد من الدول العربية، ودائماً لصالح “الريادة التونسية”.

لكن تونس ما زالت في بواكير مشوارها للتحول الديمقراطي، ولديها من المشكلات والتحديات، ما يجعلنا دائمي التحسب لما يمكن أن يحدث فيها من تحولات وتطورات …. فهناك التحدي الاقتصادي والاجتماعي، وهناك ترتيبات ما بعد الانتخابات المقبلة، وهناك تحدي الحركة السلفية التي أخرجت نفسها من دوائر العمل السياسي، وهناك تحدي الإرهاب والسلفية الجهادية التي تفاقم حضورها بفعل تداعيات الأزمة السورية.

ويمكن لتونس التي ألهمت شعوبنا في مختتم العام 2010، أن تعود لممارسة دورها في إلهام هذه الشعوب وهدايتها إلى “طريق الانتقال الديمقراطي القويم”، فدعونا نراقب ما يحدث هناك عن كثب، دعونا نتمنى للشعب الشقيق كل تقدم ونجاح وهو يناضل من أجل إنجاز نموذجه الخاص.

*الدستور الأردنية
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث