وردة حمراء لفلسطين الشمالية

وردة حمراء لفلسطين الشمالية

إلياس خوري

لا أملك يا سيدتي سوى كلمات أرسمها كوردة حمراء أقدمها لكِ في رأس السنة. وردة حمراء تنزف دما سكبه بناتك وابناؤك خلال سنوات ثلاث طوال.

لا أملك، انا المُعَلَّق على صليب أّلّمك، سوى أن أنحني على التراب الذي تلوّن بأحمر الدم وأحمر الحُلم، وأضع الوردة التي قطفتها من حديقة الكلمات تحت قدميك.

لا أملك يا شام سوى أن أردد اسمك، كي أحتمي من اليأس باليأس، ومن الألم بما بعد الألم.

كتبت لك مرة أن وطني يؤلمني، واليوم أكتب لك من جديد، اشكو منك لك، وأضم جراحك إلى صدري، وأعيش معك أوجاع نكبتنا الجديدة.

في الماضي كان الفلسطينيون يطلقون على بلادهم اسم سورية الجنوبية، يوم كانت البلاد حلماً بالديمقراطية والإستقلال، كما رفع اللبنانيون العلم العربي في ساحات مدنهم وهم يرون في بلاد الشام بلادهم التي عليهم بناؤها من جديد.

ما لنا وللماضي، صرنا حين نتكلم عن حلمنا المُجهض، نُتهم بالرومانسية واللاواقعية.

لكننا، ونحن نحاول أن نكون واقعيين كما يريدنا هذا الزمن أن نكون، نكتشف كيف وقع الواقع، وصار أشلاء تحت أقدام الإستبداد الوحشي الذي يصنع لنا وبنا نكبة جديدة قد تكون أكثر قسوة ووحشية من نكبتنا الأولى.

لا أريد المقارنة بين نكبتين، لكن إذا كنا نستطيع التذرع بسذاجتنا السياسية وضعفنا كي نبرر نكبتنا في فلسطين، فإننا لا نملك أي ذريعة تبرر نكبتنا الثانية في سوريا، وانهيارنا السياسي والأخلاقي في لبنان، وهذا التشظّي العراقي الذي لا يرحم.

في الماضي كنا نسمي فلسطين سوريا الجنوبية، وكانت هذه التسمية علامة أمل بالتحرر من الإستبداد العثماني والإستعمار الغربي، وبناء الدولة الديمقراطية.

لكن ماذا نسمي اليوم؟

هل سنضطر أن نطلق على سوريا اسم فلسطين الشمالية، ونحن نرى كيف تدمر البلاد ببراميل البارود، ويذلّ الناس ويشرّدون من ديارهم ويجوعون ويُخطفون؟

ماذا نقول لخاطفي رزان زيتونة ورفاقها؟ وكيف نتكلم مع خاطفي الأب باولو، وهم يسرقون الثورة ويدمرون القيم، ويحطمون ما لم يستطع نظام الإستبداد الأسدي أن يقوم به طوال أربعة عقود؟

اسئلة وكثير من علامات الإستفهام. لكن قبل أي كلام أريد أن أسأل أحمد الجربا وقيادة الائتلاف ماذا فعلوا مع أصدقائهم السعوديين، رعاة جيش الإسلام الذي خطف رزان؟ هل هانت سوريا وهان ثوارها عليكم أيها الناس؟ هل فقدتم ألسنتكم؟ هل تعتقدون أنكم تقودون شعبا أطلق في بداية ثورته شعار ‘الشعب السوري مش جوعان’، بمال النفط والغاز، بعدما نجح الإستبداد في تجويعه.

كيف تجرؤون على الكلام ورزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي، منعوا من الكلام، وهم اليوم في اللامكان؟

نكبتنا في سوريا لها ثلاثة اسماء:

نكبتنا بالوحش الإستبدادي أي بشار الأسد وبطانته من القتلة والسفاحين الذين قرروا إحراق سوريا.

ونكبتنا بجيوش القاعدة ومن لف لفها من الأصوليين الذين تفوح منهم روائح النفط، والذين يريدون محو الوجود الوطني، واستبداله بخطاب صنعه الإنحطاط، يقذف بنا إلى خارج الزمن.

ونكبتنا بنخبة سياسية معارضة، قررت أن تقود من الخارج، وراهنت بحماقة على التدخل الخارجي، الذي لم يتأخر، لكنه جاء خلافا للتوقعات الساذجة لمصلحة المستبد، عبر دعم إيراني روسي لا محدود.

أسماء ثلاثة تأتلف كي تصنع نكبة جديدة في سوريا، جاعلة من بلاد الشام، من جنوبها الفلسطيني إلى غربها اللبناني إلى شمالها السوري ساحة للموت.

وكما يبيع الأمريكيون سوريا الجنوبية للغول الإسرائيلي، فإنهم يبيعون فلسطين الشمالية لوحش الدمار والإندثار.

وكما لا تزال النخبة السياسية الفلسطينية عالقة في وهم المفاوضات ووهن الإتكال على ‘الوسيط’ الأمريكي، فإن المعارضة السورية لا تزال عالقة في العجز، تسلم أوراقها للخليجيين وتنتظر التفاتة أمريكية تنقذها من خرابها.

أسئلة ولا جواب في الأفق.

لكنك أنت يا سيدتي تقفين فوق الخراب وترفضين الموت.

من مخيم اليرموك حيث تفترس المجاعة أبناء الجليل الذين طردوا عام 1948، إلى غوطتي المعاناة مع الجوع والقصف والذل.

ومن حلب التي تنتفض اليوم ضد الذل الداعشي وهي تئن تحت البراميل المتفجرة إلى كفرنبل التي منها انطلقت صيحة الثورة ضد العتمة التي يريدون فرضها على سوريا وشعبها.

تقاومين يا سيدتي كما لم يقاوم أحد. محاصرة بالموت والخيانة لكنك ترفعين عينيك المبللتين بالدموع المحترقة، وتصرخين بحريتك وحريتنا.

لن تكوني فلسطين الشمالية بصفتك نكبتنا الجديدة، بل ستكونين فلسطين كلها عندما تنفضين الموت عن كتفيك وتنتصبين من جديد إسما للحرية.

اقبلينا يا سيدتي أبناء يتعلمون بين يديك فك أحرف كلمة الحرية، وتقبلي منا هذه الوردة الحمراء واغفري لنا.

(القدس العربي)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث