مصر بين مصيرين

مصر بين مصيرين

خيري منصور

ما قاله هيكل عن عام 2014 بأنه عام الحسم والمصير تَردَّد في أكثر من سياقٍ إعلامي داخل مصر وخارجها، وذلك بالطبع ليس من قبيل التنبؤات أو الحسابات الفلكية، وإنما من باب الاستقراء حيث لا بد لكل مقدمات أن تفضي بالضرورة إلى نتائج، لكن التاريخ قدر تعلقه بالشعوب وحراكاتها لا يخلو من مفاجآت، والرهان على أية حتمية قد لا يكون مأمون العاقبة .

مصر، ومن خلال خريطة المستقبل التي أسهمت أطراف وأطياف سياسية عدة في رسمها، أو على الأقل رسم خطوطها الأولى بدأت تُتَرْجم المكتوب على الورق إلى واقع ضمن خطوات حذرة لكنها غير مسبوقة لعدة عقود على هذا النحو الذي لم يعد التواطؤ أو التسويف فيه ممكناً، فالأزمات بلغت الذروة وتفاقمت إفرازاتها في كل مجال، لكن التسليم بما يعج به الواقع من مشكلات لا يعني بأية حال الاستسلام، ومن خلال جدلية التحدي والاستجابة تأخذ المفاعيل مداها، على الأقل للدفاع عمّا تبقى .

المصير الأول الذي بدأت مصر تُؤهل نفسها لبلوغه لا يدعو إلى القلق لكنه يدعو إلى الكثير من الحذر والدقة في الحسابات سواء كانت محلية أو إقليمية ودولية .

فالدولة المصرية التي وُصِفَتْ بالعميقة وبفائض البيروقراطية التي تراكمت لعدة قرون وربما ألفيات لا تزال قائمة، ولم يكن تفكيكها سهلاً بحيث يُلبّي رغائب من راهنوا على التفتيت وتَشظي الوحدة الوطنية وتغذية الصراع الطائفي، والمصير الآخر المتخيل لمصر لم يعد يهددها لأنه أصبح إلى حدّ كبير وراءها، وهو يثير الفزع ليس فقط عليها وعلى مكانتها في الإقليم وعلى تماسكها الوطني، بل على مستقبلها كله، لأنها كانت لبعض الوقت على كف مجنون وليس عفريت كما يقال .

ومصر إذ تستدعي الآن كل احتياطياتها التاريخية والثقافية وتتحسس عبقرية جغرافياها وتعيد النظر في نطاقها القومي وبُعدها الإفريقي قدر تعلقهما بالأمن القومي والمائي معاً، فهي تجترح أفقاً كَرَدٍ على انسداد الآفاق كلها، الذي كان قاب قوسين أو أدنى .

ولا يمكن فهم هذه الجدلية الفذة بين الحضور والغياب، وانحسار الدور الإقليمي وتمدده بمعزل عن سياق تاريخي، فهذه ليست المرة الأولى التي تختبر مصر نفسها وما تختزن في باطنها من إمكانات .

وهناك ملاحظتان أساسيتان يجب التذكير بهما في هذه المعركة التاريخية والحضارية، أولاهما الإرادة الشعبية التي لم يعد بإمكان أحد إعادتها إلى القمقم، وثانيتهما الحاضنة القومية التي جعلت مصر تشعر بالدفء بعد الصقيع، وبأنها ليست وحدها، وأجمل تعبير فروسيٍ ووطني نسمعه من أشقاء مصر الذين يقفون إلى جوارها وليس وراءها فقط هو قولهم إنهم يسددون لها دَيْناً تنويرياً وهي إذ تسمع ذلك، تجيب بحنان شقيقة كبرى قائلة لا مصر بلا عرب، مقابل قول أشقائها لها: لا عرب بلا مصر .

وقد يجتهد البعض لتصور مصير ثالث غير المصيَريْن اللَّذين قرَرَّت القاهرة حذف أحدهما وهو السلبي والخطر لمصلحة الآخر الائتلافي والحاشد، لكن احتكام أي مراقب للقرائن وما يلوح في الآفاق يدفعه إلى الجزم بأن مصر قد نجتْ .

(الخليج الإماراتية)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث