سنة الجراد

سنة الجراد
المصدر: سمير عطا الله

كعادة الجرائد وكتّابها في اختيار “رجل السنة” مع نهايتها، تراءى لي العام 2010 أن أنتقي رجب طيب أردوغان. لم يكن ذلك عفوياً، لأنني نشأت على الحذر من غالبية الأحزاب، وإلغائها الذات، فكيف إذا كانت دينيّة، وربيّت على أن الأتراك تركوا لنا المشانق والجراد وسفر برلك. لكن أحداث تلك السنة كانت تضع أردوغان في عكس الذاكرة: رجل يعقد المصالحات مع ضحايا الأمس، من يريفان إلى بيروت. وحزب ديني يفوز بالسلطة لكنه مترفِّع، يُبقي صورة كمال أتاتورك معلّقة على جدران الدولة. ورئيس حكومة تطبِّق “مواصفات” أوروبا، في سبيل الانضمام إلى وحدَتِها، عبر المضائق الشهيرة. وكان هناك سبب أكثر أهمية من كل ما ورد: أن حاكم تركيا الحديثة، يتصرّف كعنصر استقرار وقانون، في منطقة مُريعة الاضطراب، مُفزعة الغرائز.

لا رجل سنة، هذه السنة. نخشى أن نختار أحداً فينقلب وتنقلب به السياسات، ونندم. انظروا إلى أردوغان بعد ثلاث سنوات فقط: عدو في سوريا، خصم في مصر، مُهمل في العراق. وتلك الدائرة التي اتَّسعت له في العالم لم تعد حتى نصف دائرة.

موضوعنا ليس أردوغان. وإنما هو طبيعة السياسة التي يعصف بها الرجال وتعصف بهم. سلاح دمارهم وسلاح انتحارهم. لا ثوابت في السياسة سوى متغيّراتها. قبل أشهر قليلة كتب صحافي بارز من محور الممانعة يطالب بالقطيعة الكاملة، ليس فقط مع الدولة أو المؤسسة الأميركية، بل مع الشعب الأميركي دفعة واحدة.

فجأة، الشيطان الأكبر على الجانب الآخر من الطاولة. “فرسان المائدة المستديرة”، كما في حكايات الملك آرثر ومملكته السعيدة “كاميلوت”. مستديرة، لكي تضمن المساواة بين الفرسان. من شاهد ابتسامات محمد جواد ظريف بعد اتفاق جنيف، تذكَّر أن الإيرانيين عادة صارمون. الابتسامة ابتذال والفرح معاد لمشيئة السماء. لكن الفرحة كانت أقوى من أن تُخفى. وقد عبَّر عن ذلك عنوان الصفحة الأولى في إحدى صحف طهران “متشكريم”.

السياسة مثل البشر، وليس العكس. بنى ماكيافيللي تعاليمه على ما خَبِره لا على ما رغبه. رأى البشر تصفّق للعنف فصفّق، لم يجد أمامه سوى وصوليين، فقال كونوا وصوليين. ماذا تغير من القرن السابع عشر إلى اليوم؟ لا شيء. غَرَف ماكيافيللي من تجاربه في خدمة سيزار بورجيا، أحد نماذج الرعب والفسق والانحلال في التاريخ الإيطالي. كان هو مستشاره السياسي، أو الفكري، فمَن كان مستشاره الهندسي؟ كان يا سيدي ليوناردو دافنشي، أحد تجليّات العصور.

لكل حاكم سيئ كاتب سيء، وشاعر سيء، أو مجموعة كبرى منهم. في العادة هم فرق تتقدّم الظلم كما تتقدّم موسيقى القِرَب الفصائل المهاجمة. يجب ألاّ يسمع المعتدي صوت الضمير، أو نداءات الضحية. هذه هي الوظيفة الأساسية لقرع الطبول. أثناء حرب يوغوسلافيا، أو بالأحرى قبلها، وقعتُ في نيويورك على كتاب يضم أشعار الزجل التي راجت خلال حرب البلقان الأولى. وأدركت أنها سوف تقع مرة أخرى. الجماهير تُساق على إيقاع واحد. كلما كان عتيقاً كان أقرب إلى أوتار الغريزة. كلما كان عدوانياً طربت الجماهير.

ثمة شبه هائل بين الجماهير والفرد. عندما حلّ سلوبودان ميلوسيفيتش محل الماريشال تيتو، حلّ انفصام التاريخ محلّ صناعة التاريخ. الفتق، مكان اللُحمة. الشَقّ بدل السويّة. هناك نوع من البشر يعيش على جمائل الحياة وجمالاتها، ونوع يعيش على تدمير هذه وتلك. كل فترة تسمع عن رجل دخل اللوفر، أو كنيسة سيكستين، ومعه مطرقة. أحدهم تطلّع في تمثال “لا بييتا”، وبدل أن يتأمل ذروة الإبداع انتزع مطرقته وراح يدقّ.

“سنة الجراد” مأخوذ من إحدى خطب تشرشل التي ذهبت جميعها، أمثلة. تطلّع حوله فوجَد لندن غارقة في الانقسامات السياسية، غير قادرة على تشكيل حكومة في مستوى الخطر المحيق، فقال إنها “سنوات الجراد”. فالجرادة حشرة لا تميّز ولا تتوقف ولا تهدأ. تجتاح، وتحوِّل كل ما تمرّ به يباساً.

أي “رجل سنة” والأمة على هذه الخلقة؟ حذّرني رشدي المعلوف مرة: “لا أفعل تفضيل في الصحافة”. أشهر زاوية في باب “رجل السنة” هي غلاف مجلة “تايم”. كل سنة ينتظر العالم، ليرى على من وقع اختيارها. العام 2012 صدرت “تايم” بكل تاريخها الصحافي وغلافها محمد مرسي بعنوان: “أقوى رجل في الشرق الأوسط”! كانت قد وضعت جمال عبد الناصر على غلافها أربع مرات، بما فيها حرب السويس، التي أنهت الإمبراطورية البريطانية، وفي المرات الأربع كان كلام الصورة واحداً “Nasser’s Egypt”…! بعد بضعة أشهر، كان “أقوى رجل في الشرق الأوسط” موقوفاً في ثكنة مجهولة، يتظاهر لعودته بضعة آلاف. لماذا لم يحظَ الرجل الذي خرج إلى جنازته خمسة ملايين إنسان بلقب محمد مرسي، “أقوى رجل في الشرق الأوسط”؟ لأن الذي كان يضع عنوان الغلاف في “تايم” قد تغيَّر. أو بالأحرى اللجنة. لأن “تايم” لم تكن تسلِّم أهم ما لديها إلى خفّة رجل واحد، أو سطحيته. قاعدتها الأولى ليست عدد قرائها هذا الأسبوع، بل أهميتها كمرجع يُعاد إليه في تدوين التاريخ. لست أشك في أن أكثر من ضحك على غلاف “أقوى رجل في الشرق الأوسط” كان محمد مرسي. إنه يشبه نكتة 99,99%! وهذا النوع من المُطلقات، اختصاص عربي، لم يعد احتكاراً.

ليس في “الشرق الأوسط” شيء يُدعى “أقوى رجل”. مات صدام حسين معلَّقاً وهو يصرّ على أن يضع الحبل حول عنقه بنفسه. وكان ياسر عرفات لسنين يُخيف جميع القيادات، ثم جلس وحيداً في دار “المقاطعة” لا يكلّمه زعيم عربي. وخرجت الناس بحاراً لاستقبال فيصل الأول في دمشق، ثم تخلّفوا في بيوتهم عندما خرج.

رحم الله الصديق خليل نحاس. كان يحرّر الرياضة في “النهار”، ويشتغل سياسة بيروتية بعد الدوام. وذات مرة شكا أمامنا، بطيبته وعفويته، من أن سعر المتظاهرين يرتفع، دون سبب اقتصادي مُقنع “كان الراس بخمس ليرات، صار بدهم عشرة؟ “عَ شو دخلك العشرة؟ غلاء معيشة”؟ عند جيل “أبو نبيل” كانت الرياضة وجاهة. هومنتمن على راسينغ. لم تكن “كأس العالم” قد قسَّمت شُرُفات لبنان ما بين ألمانيا والبرازيل، أو أرضه ما بين مجازر بانتحاريين، ومجازر من دونهم. “رجل السنة” أي رجل السنة؟

ربما، في مثل هذا العام، أبرز من يستحق اللقب الزعيم المبجّل كيم جونغ – أون، حفيد الزعيم المبجّل كيم جونغ – إيل، نجل الزعيم المؤسّس كيم إيل سونغ. ثلاثة بواحد. كل ما على أونغ أن يفعله ليُرعب العالم، إطلاق صاروخ في اتجاه اليابان، فيُصار إلى تسديد المكسورات عليه. يزيد دخل شقيقته الجنوبية على 552 ملياراً، وصادراتها على 514. هو، الشقيق الشمالي، دخله 4,71 مليارات ويستورد بأربعة مليارات، تسدّدها الصواريخ السنوية في اتجاه اليابان.

بين فترة وأخرى يتصوّر الفتى المبجّل خلف مربض مدفعية ومعه “ناضور”. خَطَر لي مرة أن أعرف ما هي الأعياد الرسمية في بلاد المبجَّلين. حسناً، أهمها، ميلاد المؤسّس، وميلاد أم المؤسّس، وميلاد والدة كيم جونغ إيل. لكن أعلى معدّل لوفيات الأطفال هو أيضاً هناك. نرشّح كيم الثالث لنوبل السلام.

تحتفل فرنسا بمئوية ألبير كامو. تحمل شوارع باريس أسماء الشعراء والأدباء. تمنع بريطانيا مسّ بيت سكن مفكر أو شاعر. لكي يكسب أي زعيم روسي الاعتبار يجب أن يقول إن شاعره هو ألكسندر بوشكين. من أجل أن يخلَّد جون ف. كينيدي يوم تنصيبه طلب من روبرت فروست أن يُلقي قصيدة. والدتان في كوريا الشمالية، هما العيد الوطني.

“سنوات الجراد”. طوال حكمه منع أنور خوجا الألبان من شراء سيارة واحدة. وصرَف ما تملكه الدولة من أموال على بناء ملاجئ إسمنتيّة مُضحكة على هضاب المدن، تحسّباً للعدوان المقبل”. عندما مات خلَفه وخرجت ألبانيا عن بكرة أبيها تريد الهجرة، وجد ألوف الفقراء المأوى في تلك الملاجئ. كُتب البلد باسمه واسم شفيعه ماو.

لا تقتصر الحماقة على العسف بل تقع أحياناً في الاختيار وحق الاختيار. قال البرتغالي خوسيه ساراماغو (نوبل 1998) إنه يَعجب لماذا يختار شعب في كِبَر الأميركيين رؤساء صغاراً: “جورج دبليو بوش ربما أصغرهم جميعاً. هذا الرجل، بذكائه المتخلّف، وجهله السحيق وقدراته المعدومة على التعبير وسقوطه الدائم في إغراء السخف المُطلق، قدّم نفسه للعالم في صورة كاوبوي وَرث العالم وظنّ أنه قطيع من البشر. لا نعرف ماذا يفكّر حقاً أو هل هو يفكّر حقاً. هل هو إنسان أم إنسان آلي يخلط ما يُعبّأ به. ولكن لإعطاء الرجل مرة حقّه فإن البرمجة الوحيدة التي لا يُخلط فيها هي الكذب”.

كل عام وأنتم بخير. لا تتوقّعوا من الجراد أن يخلّف لكم شيئاً. أي شيء.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث