أولويات معكوسة!

أولويات معكوسة!
المصدر: خيري منصور

في عالمنا العربي الذي كان يسمى الوطن العربي، هناك أناس يواصلون الاصرار وبشجاعة يحسدون عليها على أن يعتذر العالم للجاهل، والصادق للكاذب، والشهيد للجاسوس، وأظن أن سبب هذا الاصرار جاء من تحول الشاذ الى قاعدة، ، وما كان استثناء الى أمر مألوف، فالامية التي تفاقمت نسبها أزاحت من طريقها كالجرافة ما تبقى من خجل.

من حق المثقف المبتلى بضميره أن يقول لهؤلاء رضينا بالبين والبين لم يرض بنا أو فوق حقه.. دقه.

ففي الماضي القريب منه والبعيد كان العاري يخجل من عورته ويحاول ان يسترها، وكذلك كان الجاهل الذي يشعر بالحرج والخجل اذا دار أمامه حوار بالعربي وظنه بالسنسكريتي، فهو اما ان ينسحب ويظفر بما تبقى من ماء الوجه أو يحاول اعلان الحرب على جهله والبدء من أول السطر، لكن الكثرة تغلب القلة خصوصاً عندما تكون هذه النسبة الكارثية المتصاعدة من الأمية في أقطار عربية ينافس فيها عدد الجامعات والمعاهد عدد محطات البنزين.

كيف يمكن لمن يشهر أميّته كالسيف في وجه مكتبة أن يعي مصيبته اذا رأى اعداداً غفيرة من الناس يتحالفون معه، ولا نتصور أن هناك متحف خزف في هذه الارض يقاوم قطيع فيلة أو ثيران اذا اجتاحته.

سمعت قبل أيام من رجل سياسة مثقف ان كل ما يمكن انجازه من البنية التحتية سوف يصدأ ويتعرض للخراب اذا لم يكن هناك وعي، سواء للتعامل مع الاشياء والادوات أو لفهم الشروط التي تحاصر الانسان، وأضاف قائلاً لقد أخطأنا في ترتيب الأولويات وكان من الاجدر تثقيف الناس وإصدار طبعات شعبية رخيصة الثمن من الكتب والافلام وسائر مصادر المعرفة، وأجد ان هذا الكلام ليس دقيقاً فقط، بل هو جذر الداء والبلاء معاً، لأن الأهم من أي انجاز مادي او معماري أو حتى تكنولوجي هو انجاز الوعي لأن غيابه يعني نهاية كل شيء، والبلدان التي شهدت ثورات ثقافية وأعطتها الأولوية حصدت ثمار ما زرعت، وهناك شعوب يحرص الفرد فيها على الأدوات والمنجزات حتى لو كانت محراثاً كما يحرص على ابنه، وحين يتظاهر احتجاجاً على قرار سياسي أو اقتصادي لا يفرغ شحنة غضبه في عمود كهرباء أو سيارة لم يدفع صاحبها ربع أقساطها.

لكن الالحاح على التثقيف يجب أن يخرج من نطاق المواعظ الموسمية الى الميدان، ولكي لا نبقى في اطار التجريد.. نقول بأن الكتاب العربي الذي أصبح ثمنه عشرة دنانير وقد يصل الى الثلاثين لن يكون ميسوراً في التداول، وسيبقى كسلعة حكراً على من يملكون فائض المال ونقصان شهوة المعرفة.

في ستينات القرن الماضي كانت القاهرة تصدر كتاباً كل ست ساعات بطبعة شعبية لا يتجاوز ثمنها قرشين، فهل من يبادرون الى اعلان حرب الحروب كلها وهي الحرب على الأمية بإعادة النظر في الاولويات التي غالباً ما دفعت الثقافة الى اليوم الثامن في الاسبوع!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث