الدستور بين التهويل والتبعيض

الدستور بين التهويل والتبعيض
المصدر: كمال الهلباوي

هناك من قال أو كتب إن الدستور الجديد سيقضي على الفقر، وهناك من الإسلاميين من قال إنه ضد الدين، وسواء أكانت لجنة الخمسين قد أدخلت تعديلات على بعض مواد الدستور 2012 أو كانت التعديلات شاملة، فهو دستور جديد بكل المعايير.

الدستور ـ كما جاء في بعض التفسيرات، ومنها تفسيرات هيئة الاستعلامات، هو مجموعة القواعد والمبادئ التي تحدد هوية الدولة وشكلها ونظامها، ويجب الالتزام به كاملاً. يلتزم به المواطنون وتلتزم به السلطات العامة، وهو صفحة جديدة في الحياة الدستورية والسياسية. والاستفتاء على مشروع الدستور واجب وطني واستحقاق وطني مهم، كي تنتظم في ضوئه الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وقد شمل الدستور في ثوبه الجديد، ديباجة تصفه وتبين أهدافه، وتعدد القيم التي انطلق منها والأسس والمقومات التي قام عليها. كما يشمل الدستور ستة أبواب و 247 مادة، منها 42 مادة مستحدثه بالكامل، أي أنها لم تكن موجودة في الدساتير السابقة. سدت تلك المواد فراغا كان قائما في الدساتير السابقة، ولا يعني هذا أن الدستور الجديد أصبح مقدسا لا يجوز تعديله أو تصويبه مستقبلا، أو أنه يفي بمتطلبات المصريين الى يوم القيامة. أقول دائما مستعيرا حكمة الأصفهاني، ‘إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه، فلو نظر فيه في غده، لقال لو زيد هذا لكان أحسن، ولو نقص هذا لكان يستحسن، وهذا من أجل العبر ودليل استيلاء النقض على جملة البشر’. أقول طبعا وهذا ينطبق على لجنة الخمسين، حتى لو كانت لجنة الخمسين مليون عضو.

الباب الأول في هذا الدستور يتناول الدولة في ست مواد، أي أنه دستور جمهورية مصر العربية، وأنها ذات سيادة وموحدة، ونظامها جمهوري ديمقراطي، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون، والاسلام دين الدولة، ومبادئ الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. حاول بعض أعضاء من لجنة الخمسين يعدون على أصابع اليد الواحدة، تعديل تلك المادة لتكون فقط: مبادئ الشريعة الاسلامية مصدر من مصادر التشريع، وليست المصدر الرئيسي للتشريع. ولكن اللجنة بإسلامييها ومسيحييها وليبرالييها لم توافق هذه القلة في نظرتها الى الدين والى مبادئ الشريعة، مع احترام كل الآراء. وقد تم التأكيد في هذا الباب الحاكم على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحين واليهود هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشؤونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية.

ينص هذا الباب أيضا، على أن السيادة للشعب وهو مصدر السلطات، أما النظام السياسي فيقوم على التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة، وأن الجنسية حق لكل من يولد لأب مصري أو أم مصرية. وهذا النص طبعا وغيره من النصوص التي تحل مشكلات قائمة نظريا، يؤكد أن حل المشكلات جذريا يعتمد على تفاصيل القوانين التي تحدد وتبين تلك المواد الدستورية، وكذلك حسن التطبيق والأداء. دائما ما تكون مواد الباب الأول حاكمة لأنها تتعلق بالدولة والهوية والمواطنة لكل المواطنين، والنظام الأمثل في نظر الشعب من خلال الاستفتاء على الدستور وتمريرة، رغم أننا نؤكد أن ‘نعم’ لا تقود الى الجنة، ونؤكد أيضا أن ‘لا’ لا تقود الى النار. ولكن خطورة كلمة ‘لا’ هنا في الاستفتاء تعني التعطيل وضياع الوقت والجهد إذا زادت عن 50 %.

يشمل مشروع الدستور أيضا خمسة أبواب أخرى غير باب الدولة، وهذه الأبواب على التوالي، هي الباب الثاني الذي يتناول المقومات الأساسية للمجتمع من اجتماعية واقتصادية وثقافية في (ثلاثة فصول) موزعة على 44 مادة.

أما الباب الثالث، فيتناول الحقوق والحريات والواجبات العامة في ثلاث وأربعين مادة من أبرزها: قيام المجتمع على التضامن الاجتماعي وتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين المواطنين بدون تمييز، وأن الأسرة هي أساس المجتمع وقوامها الدين والأخلاق والوطنية. ومع ذلك لا يزال هناك من يشكك في هذا الدستور، ويصر على أنه ضد الدين. والذي لا يعرفه القارئ من الاعلام عن لجنة الخمسين أنها ناقشت من خلال لجنة علمية مختصة، مع قيادات وممثلي حزب النور في عشرة لقاءات خارج لجنة الخمسين، ضرورة إلغاء المادة 219 التي كانت في دستور 2012 المعطل، التي وضعت فيه، بإصرار من حزب النور، الذي اقتنع من خلال المناقشة العلمية بأنها مادة غامضة لا يفهمها إلا المختصون في علم أصول الفقه، ولكن كان من الضروري لحزب النور البحث عن تفسير لمبادئ الشريعة وكان المخرج، أن تنص الديباجة على أن المرجع في تفسير مبادئ الشريعة هو ما تضمنته مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا في هذا الشأن. وقد شملت المضابط تلك الأحكام.

وفي هذا الباب أيضا، نرى كفالة الدولة لتحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وضمان تمثيل المرأة تمثيلا مناسبا في المجالس النيابية. وهذا النص يجب أن يرفع من الإنتاجية في الدولة وتحقيق المساواة.

أما الوظائف العامة، فأصبحت حقا للمواطنين على أساس الكفاءة وبدون محاباة أو وساطة، وهي تكليف للقائمين بها لخدمة الشعب، وفي هذا الباب أيضا نرى كفالة الدولة لخدمات التأمين الاجتماعي والحق في الضمان الاجتماعي وتوفير معاش مناسب لصغار الفلاحين والعمال الزراعيين والصيادين والعمالة غير المنتظمة، والتزام الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل لجميع المصريين يغطي كل الأمراض. وهنا ينص الدستور على أن تخصص الدولة نسبة لا تقل عن 3% من الناتج القومي الاجمالي للصحة، تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية. ومن الأهمية بمكان أن ينص الدستور على تجريم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة، بعد أن كانت الكوارث كثيرة بسبب ذلك الامتناع عن تقديم العلاج.

أما التعليم فقد أصبح إلزاميا حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وهو مجاني في مراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية، وتنفق الدولة ما لايقل عن 4% من الناتج القومي الاجمالي على التعليم + 2% على الأقل للتعليم الجامعي، وتتصاعد تلك النسبة تدريجيا حتى تصل الى المعدلات العالمية وتحقيق الجودة المنشودة.

وفي هذا الباب نرى أن الدولة تلتزم أيضا بشراء المحاصيل الزراعية الأساسية بسعر مناسب من الفلاح يحقق له هامشا معقولا من الربح، وتخصص الدولة نسبة من الاراضي المستصلحة لصغار الفلاحين وشباب الخريجين، وتضمن الدولة حماية الفلاح والعامل الزراعي من الاستغلال.

وهنا لا بد من الاشارة الى أن أحد ممثلي العمال، عبدالفتاح إبراهيم، استقال من اللجنة عند إلغاء نسبة الـ 50% للعمال والفلاحين، وبقي العضو الآخر الدكتور أحمد خيري الذي وافق مع ممثلي الفلاحين على أن هذا الدستور قد ضمن لجميع الفلاحين حقوقاً اقتصادية واجتماعية وصحية وغيرها أكثر بكثير من 50% التي كانت مهمة وضرورية عند تحديدها في زمن الإقطاع، ولكنها أصبحت ميزة بيروقراطية، تعطل مسيرة الابداع والزعامة في هذا الميدان.

اعتمد الدستور للعمال والفلاحين كفترة انتقالية تمثيلا مناسبا في أول مجلس للنواب ينتخب بعد إقرار مشروع الدستور. ولعل هذا الإجراء المؤقت يحفز العمال والفلاحين لإبراز زعامات سياسية على أرض الواقع، ولعلنا نرى في مصر في المستقبل زعيما عماليا أو من الفلاحين يقود الوطن كما قاده لولا دي سيلفيا البرازيلي، وهوغو تشافيز في فنزويلا، وليخ فاليسا أو فاونسا في بولندا، فأصبح رئيسا لها سنة 1990، بعد أن كان رئيســــــا لمؤسسة التضامن، وهو الذي قام بالمظاهرات العظيمة سنة 1982 عندما كان السوفيــــيت يتجرعون الهزيمة تلو الهزيمة في أفغانستان نتيجة غزوهم الغاشم لها. ولذلك فإنه قرأ المستقبل جيدا واتخذ قراره الصائب في اللحظة المناسبة.

ويظل للحديث صلة، بشرح بعض أهم المواد في الابواب المتبقية من الدستور وهي الباب الرابع عن سيادة القانون، والباب الخامس عن نظام الحكم، وهو أكثر الابواب جدلاً، والباب السادس وهو الأخير عن الأحكام العامة والانتقالية.

نشرح هنا أهم المواد التي تبين تميز هذا الدستور عن الدساتير السابقة. نعمل ذلك بعيدا عن التهويل، والتبعيض هنا فقط، حتى يذهب القراء الى الأصل الكامل للمشروع فيفهمونه قبل المشاركة، وقبل أن يقولوا ‘نعم’ وقبل أن يقولوا ‘لا’، وهي مسؤولية فردية وليست مسؤولية ‘شيخ القبيلة’ مهما كان وضعه السياسي أو الديني الذي يتبعه الآلاف أو حتى الملايين، وقد يكون شيخ القبيلة رئيسا لحزب أو عمدة أو جماعة أو جمعية أو حركة إسلامية أو ليبرالية. يقول الله تعالى ‘وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه’، وليس في عنق شيخ القبيلة وهو العدل الكامل.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث