من اللحد إلى المهد

من اللحد إلى المهد
المصدر: جهاد الخازن

الأسباب قاهرة وظاهرة من قومية إلى شخصية وكلها يؤكد أن حياة العربي أفضل ألف مرة لو أنه يبدأ في القبر ثم يصغر يوماً بعد يوم حتى يعود إلى رحم أمه، أي من اللحد إلى المهد.

الآن العربي يولد ويتعلم ويعمل حتى لا يعود قادراً على العمل ويتقاعد ويموت قهراً من أخبار السياسة العربية.

فكروا معي. مواطن عربي من المغرب أو العراق أو مصر أو لبنان أو الكويت أو غيرها، عمره 70 سنة دفنه أهله أمس بعد أن هزمته السياسة والأمراض يعود إلى الحياة. كل يوم يعيشه هذا العربي في حياته المعكوسة أفضل من اليوم السابق فصحته تتحسن يوماً بعد يوم حتى أنه يعود فيتذكر اسمه واسماء أبنائه وبناته، وهذه الجالسة على الشرفة، يضرب كفه على جبينه وقد تذكر الشهيدة الحيّة زوجته.

لا تمضي ثلاث سنوات على عودة هذا المواطن إلى الحياة حتى يكون الربيع العربي المزعوم قد ولّى، ومعه متشددون يريدون فرض قناعاتهم على الأمة كلها.

الوضع ليس عظيماً في 2010 أو في 2005، ولكن صحة الأخ لا تزال تتحسن حتى انه عاد إلى المشي في شوارع بلدته والحقول المجاورة، وتنقضي سنة 2003 لتبدأ 2002 ويجد الأخ أن سلبية وجود صدام حسين في العراق أفضل من دفع مليون عربي ومسلم حياتهم ليرحل.

هو يستقبل الألفية سنة 2000 ويجد أن إرهابيي القاعدة لم يقتلوا ثلاثة آلاف أميركي في نيويورك وواشنطن ويطلقوا حروباً على العرب والمسلمين لا تزال مستمرة حتى اليوم.

في جمال عودة الأبرياء جميعاً إلى الحياة سنة 2000 أن عمر الأستاذ 57 سنة، وهو يشغل منصباً رفيعاً في الشركة التي انضم إليها شاباً، ومرتبه عالٍ ولا يحتاج إلى من يعيله، أو يراقبه حتى لا يقع في الحمام، ويكسر رجله أو حوضه.

التسعينات جميلة فمع تحسن صحته باستمرار، هو يجد أن أصدقاءه الذين سبقوه إلى القبر (كانت العرب تسمي القبر بيتاً) عادوا مثله إلى الحياة ولا حاجة به أن يجلس مغرورق العينين ليسترجع ذكرياته مع سعد او زيد أو عُبيد.

بل إن أم البنين تركتها الغضون وخسرت 30 كيلوغراماً من وزنها (يعني ربحت)، وعادت اليها مسحة الجمال التي جعلته يختارها بدل هند ووعد ودعد. بكلام آخر، أصبح يستطيع ان يرفع عنها اشارة انتهاء مدة الصلاحية، خصوصاً ان صلاحيته هو عادت.

طبعاً كانت بداية التسعينات سيئة باحتلال الكويت، إلا ان الاحتلال لم يطل، وعادت الكويت حرة خلال ثمانية أشهر، وتبعتها اتفاقات اوسلو، فأعطته الأمل بسلام في منطقة لا تعرف إلا الغزو الأجنبي وظلم ذوي القربى.

الثمانينات شهدت اجتياح لبنان الأول، إلا أن اسرائيل انسحبت تحت ضغط المقاومة، وبدأت الانتفاضة الأولى، وشعر اخونا بأن الحياة عادت لتدب في أوصال الأمة بعد أن دبت في أوصاله، وعاد الأمل بمستقبل أفضل.

السبعينات بدأت بداية سيئة، فقد توفي جمال عبد الناصر والأرض محتلة، إلا أنه قاوم اليأس وخطب حبيبة العمر، وهما تزوجا مع حرب 1973 وعبور القناة، وشعر أخونا بأن “الدنيا ربيع والاشيا معدن” دائماً، بعد أن كان الملك فيصل اغتيل سنة 1975، ما نشر الكآبة تتسرب إلى النفوس.

لم يكن هذا شعوره في بداية الستينات، فقد كان شاباً وروائح الجنة في الشباب، او في بنات الجامعة، او في احلام الوحدة العربية، ثم جاءت كارثة 1967، وضاعت القدس والضفة وسيناء والجولان، وبكينا دمعاً ودماً. على الأقل الدول العربية في الخليج وغيره استقلت تباعاً في الستينات والسبعينات فكانت جائزة ترضية بعد الخسائر الاخرى.

هو الآن في سنة 1950 عمره سبع سنوات، يلهو ولا يعرف معنى الهم والغم، ويصغر ويصغر، ويعود الاستعمار، وهو أرحم من الذين حكموا بعده، ويعود الأخ إلى بطن أمه.

العمر معكوساً أفضل كثيراً.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث