صراع الموجزات

صراع الموجزات

سمير عطا الله

مضى عقدان الآن على أطروحة صامويل هانتغتون حول «صراع الحضارات». مقال في مجلة «فورين أفيرز» تحول إلى جدل عالمي على جميع المستويات، النخب والشعب. عندما وقع جحيم 2001 في أبراج نيويورك، اقتحم المزيد من الأفرقاء حلبة ذلك السجال. ما هو البرهان الأكثر وضوحا على نظرية الرجل عن حتمية الحرب بين الإسلام والغرب؟

الحقيقة أن معظم المشاركين في السجال لم يكونوا قد قرأوا المطالعة، لكن الجميع أفضى ما في نفسه من مخاوف داهمة، وهي أن انفجارا آخر بين الإسلام والمسيحية أصبح وشيكا مع بزوغ التطرف مرة أخرى عند الفريقين، ومهما كان ذلك محتملا وله عناصر دالة، فليس هو ما قصده هانتغتون. نظريته، في الأساس، كانت تقول بانفجار فيما بين الجماعات الثقافية المختلفة، ضمن المجتمع الواحد.

كان يقصد صراعات مثل نزاع سري لانكا، أو ربما مثل هذه النار المرعبة في المجتمع الإسلامي بين الشيعة والسنة، أو حالة الحافة الرهيبة بين السلفيين والإخوان في مصر، أو بين الإخوان والأقباط، أو بين السيخ والهندوس، أو بين أقليات القوقاز.

طرح هانتغتون مسألة اجتماعية علمية، وبدل أن تناقش، رجمت هي وصاحبها. وكما ذكرت غير مرة، معظم الراجمين لم يقرأوها أو يطلعوا عليها، حتى باختصار. لقد حاربوا العنوان الذي يتحدث بوضوح عن مجموعة حضارات وليس عن حضارتين. استبعدوا هذا الاحتمال مع أننا نعيش في عالم قائم على الفظاعات لا على الحضارات. وهو عالم تاريخه صراعات كامنة أو متفجرة أو على وشك الانفجار، فأين هو الجرم في استنتاجات هانتغتون؟ إنه يبني على تاريخ لم يعرف الهدوء أو المصالحة منذ بدء البشرية مع قابيل. حتى وهو وحده مع شقيقه لم تسعه الأرض.

لا دفاعا عن هانتغتون والنظرية التي تتحقق اليوم أكثر مما قبل عشرين عاما، ولكن دفاعا عن النص. كتابنا لا يقرأون سوى العناوين. يسمعون عنوانا ما فيخرجون عليه، وعلى صاحبه، ويناقشون أشياء لم تقل ولم ترد. تسمى هذه ثقافة الموجزات، والموجزات عدوة الثقافة. هل تقرأ ثلاثية نجيب محفوظ في عشرين سطرا؟ هل هي حكاية أم نص وحوار وفكر ومناخ؟ هل تلخص مقدمة ابن خلدون؟ لقد تعب هو في أن يلخص لك أثير المعرفة، فماذا تريد أن تحذف منه وأن تبقي؟ وبموجب أي حكمة أو أي حكم؟ من العيب معاملة النصوص الكبرى كمادة للإيجاز أو معلومة تستخدم في الكلمات المتقاطعة. هذا ما حدث لمطالعة شديدة للاختصار عنوانها «صراع الحضارات».

أقل ما يفعله الراجمون أن يعيدوا الآن قراءتها. أي من له القدرة على الاستيعاب. الفهم ضروري، أحيانا. إلزامي دائما.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث