حفتر.. بريق السلطة ينهي غربة المنفى

حفتر.. بريق السلطة ينهي غربة المنفى
المصدر: إرم- (خاص) من منار الرشواني

نشرت صحيفة نيويورك تايمز، في عددها الصادر بتاريخ 27 الشهر الجاري، تحليلا سياسيا للمدير الإداري لشركة “بريم مشاركون” للاستشارات، المتخصصة بأفريقيا، إيثان كورين، تناول به الملف الليبي، والعملية العسكرية التي يقودها الجنرال الطامح حفتر.

يقول كورين: لننسى الهوس الذي لا ينتهي بإلقاء اللوم بشأن الهجوم على المجمع الدبلوماسي الأمريكي في بنغازي العام 2011. إذ تواجه الولايات المتحدة مشكلة كبيرة أخرى حالياً في ليبيا، تتمثل في خليفة حفتر.

فالجنرال الليبي السابق، المتمتع حالياً بالجنسية الأمريكية، ينفذ الآن ما يمكن اعتباره “انقلاب أمر واقع”، ينطوي على تبعات بعيدة المدى لكل من ليبيا والولايات المتحدة.

كان اللواء حفتر أحد الضباط الليبيين الذي شاركوا في الحرب الكارثية للعقيد معمر القذافي ضد تشاد في ثمانينيات القرن الماضي، لكنه انشق لاحقاً وذهب إلى الولايات المتحدة. وخلال إجرائي بحثاً لكتابي عن جذور ثورة العام 2011، اكتشفت العديد من الدلائل على وجود علاقة ممتدة بين اللواء حفتر، والولايات المتحدة، و”الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا” التي تعد أبرز مجموعة معارضة للخارج للعقيد القذافي في ذلك الوقت.

يتضمن ذلك تأكيدات بأن وكالة المخابرات المركزية “سي. آي. إيه” جندت اللواء حفتر للمساعدة في التجهيز لنشاط عسكري ضد الدكتاتور. و أقام حفتر في فرجينيا، وجرى تكليفه –كما تبين لي- بتدريب ليبيين من ذات عقليته، باعتبارهم متمردين محتملين في المستقبل. إلا أن هذه الاستعدادات لم تثمر أبداً، بل وتحولت الولايات المتحدة بدلاً من ذلك، أواخر تسعينيات القرن الماضي، نحو السعي إلى إيجاد توافق مع العقيد القذافي.

الفرصة الأخيرة

عندما اندلعت الثورة الأهلية العام 2011، وتدخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”، عاد اللواء حفتر إلى ليبيا متوقعاً تولي قيادة الثوار. إلا أنه فشل في ذلك لمصلحة عبدالفتاح يونس؛ وزير الداخلية الأسبق لدى العقيد القذافي. وقد اغتيل يونس لاحقاً، وأشير بأصابع الاتهام إلى المليشيات الإسلامية التي كانت قد أخذت بالظهور وقتها في بنغازي.

هذا الشهر، برز اللواء حفتر كقائد هجوم، مدعوم بالطائرات الحربية والمدفعية، على معسكر إسلامي في بنغازي، فيما قام أنصاره بالتزامن مع ذلك بفض جلسة للبرلمان الليبي في العاصمة طرابلس. و ادعى أنه قام بالتخطيط لهذا الأمر بالتشاور مع القيادات العسكرية في المدن الليبية الرئيسة؛ بما يذكر باستعدادات العقيد القذافي للقيام بانقلابه في العام 1969.

يطلق اللواء حفتر على مخططه اسم “عملية الكرامة”. وخلال مقابلات معه، يصور نفسه باعتباره وطنياً شرساً، مع “واجب مدني” بتخليص الليبيين من الإخوان المسلمين. وهو يتحدث عن “تطهير” ليبيا من الإسلاميين، لاسيما الموجودين في بنغازي؛ إذ يلومهم على عمليات الاغتيال والاختطاف اليومية هناك.

وإذ لم يحدد هدفاً نهائياً (لعمليته)، إلا أنه ذكر أنه لن يرفض دوراً قياديا إذا ما عبر الشعب عن رغبته في ذلك. وهو يرفض تسوية مع الإسلاميين الذين يقول إنهم لا يستجيبون إلا للقوة.

حفتر على طريق السلطة

خلال الأيام الماضية، حاز اللواء حفتر تأييد وحدات رئيسة في الجيش وسلاح الجو الليبيين، ومليشيات مهمة، وأعضاء بارزين في قوات الأمن المناطقية، إضافة إلى دعم غير مباشر من بعض قادة ثورة 2011. إلا أن الحكومة الأميركية لم تتخذ موقفاً. ويبدو أنها تتجنب تأييد أو رفض اللواء حفتر، وتقصر موقفها على التعبير عن قلقها من الوضع الذي تسميه “مائعاً للغاية”، وتنضم إلى الدعوة الدولية لجميع الأطراف بالامتناع عن ارتكاب أعمال عنف.

ففي إيجاز صحفي يوم الخميس الماضي، تجنبت المتحدثة باسم وزارة الخارجية، جين ساكي، الحديث عن اللواء حفتر، لكنها أكدت على الدعم الأميركي للشعب اللليبي، وللعملية الديمقراطية هناك، كما لتعاطي البرلمان الليبي (المؤتمر الوطني العام) مع الوضع الحالي، والذي تمثل وقتها في الإعلان عن موعد الانتخابات البرلمانية؛ في 25 حزيران (يونيو) المقبل. ويوم الأحد (الماضي)، نال رئيس الوزراء أحمد معيتيق الثقة في تحدي من البرلمان للواء حفتر الذي كان قد شكك في شرعية السلطة التشريعية.

في حال نجاح مناورة اللواء حفتر، هل سيكون هناك انتخابات؟

بسبب ماضيه، يعتقد العديد من الليبيين أن الولايات المتحدة هي من يقف خلف حفتر. الأمر الذي يمثل مشكلة، كونه يعزو للواء حفتر سلطة ربما لا يمتلكها فعلاً. وبالتزام الصمت، فإن الولايات المتحدة لا تقوم إلا بتعزيز الشكوك بأنه جزء من مخطط أمريكي.

في الوقت ذاته، فإن لعودة ظهور اللواء حفتر جانباً تعوضياً (عن أضرار سابقة). ففي واشنطن، يعبر بعض خبراء السياسة ومسؤولي وزارة الخارجية عن رضاهم، بشكل غير علني، لوجود شخص يطارد “أنصار الشريعة”؛ المليشيا التي يلقى عليها اللوم في الهجوم على المجمع الدبلوماسي الأميركي. كما أن عدداً لا بأس به من الليبيين يأملون تمكن اللواء حفتر على عكس اتجاه سيطرة الإخوان المسلمين على البرلمان، كونهم يعتبرونها اختطافاً للديمقراطية.

إلا أن التعويض هدف أقل قيمة من حماية تجربة ليبيا الديمقراطية. ما يعني أن على الولايات المتحدة توضيح طبيعة علاقتها باللواء حفتر.

هل ما تزال هناك علاقة بيننا وبينه؟ هل نؤيد كل ما عبر عنه من نوايا، بما في ذلك حل البرلمان؟ أم نؤيد بعض تلك النوايا، من قبيل استعادة بنغازي من أيدي المتطرفين؟ ما هو السلوك الذي يجب علينا إلزامه به؛ باعتباره مواطناً أميركياً يحمل السلاح في بلد آخر، كما باعتباره قائداً محتملاً لليبيا؟ وحتماً فإنه في حال انقلابه على المكاسب الديمقراطية، سيكون تصرفه ضد السياسة المعلنة للولايات المتحدة.

قائد حرب بالوكالة

لأكثر من مرة، تورطت الولايات المتحدة في المتاعب في ليبيا بسبب عدم اتخاذها مواقف واضحة. فخلال مرحلة التقارب في العام 2003، أبلغنا العقيد القذافي بأن لدينا شروطنا للتصالح معه، ثم لم نلزمه بها لاحقاً. وحقيقة أن اللواء حفتر يتعقب الآن الإسلاميين بدلاً من الموالين للقذافي، إنما هي نتيجة مباشرة لفشل الغرب في العام 2011 في التخطيط لإحلال الأمن أو إعادة البناء عقب الإطاحة بالعقيد القذافي. ولربما منع التخطيط الجيد سقوط بنغازي، ابتداء، في الأيدي الخطأ.

خلال مقابلة لي معه في ربيع العام 2012، عبر جيه. كريستوفر ستيفنز، وكان وقتها سفيراً مكلفاً لم يتم تثبيته، عن عميق مخاوفه من النتائج السابقة تحديداً. وللمفارقة، فإن بنغازي لم تسقط بيد الإسلاميين والعناصر الإجرامية إلا عقب هجوم 11 أيلول (سبتمبر) 2012، والذي أودى بحياة السفير ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين. منذئذ، صارت بنغازي الركيزة الشمالية لقوس من عدم الاستقرار يمتد إلى الصحراء الكبرى.

مع ذلك، ليس هناك وقت متأخر على استخلاص الدرس. فأياً كانت مثالبه، يمتلك اللواء حفتر جوانب جيدة. ومع عدم رغبة الولايات المتحدة في التحرك عسكرياً، وكذلك خضوع الحكومة الليبية على يد الإسلاميين عبر مؤيديهم داخلها، فقد يكون حفتر هو الشخص الوحيد القادر والراغب في قيادة معركة ناجحة ضد المتطرفين في بنغازي. هذا مع ضرورة بقاء العملية الديمقراطية حية في ليبيا.

ولتحقيق هذين الهدفين، يتوجب على الولايات المتحدة إيضاح الحدود التي تعتقد أن أفعال وطموحات حفتر يجب أن تبقى في إطارها، كما بيان التبعات المترتبة على قيامه هو أو مؤيديه بالخروج عما هو محدد. في الوقت ذاته، يجب على أميركا الوقوف إلى جانب الحكومة الليبية الغضة، وذلك على نحو ما فعلنا عندما تحدى الانفصاليون في بنغازي الحكومة المركزية، عبر محاولة بيع النفط بشكل غير قانوني في آذار /مارس الماضي.

وفي حال تمكنها من تحقيق هذا التوازن، فقد يكون بمقدور الولايات المتحدة الحفاظ على ديمقراطية هشة، وترويض دكتاتور قبل أن يصبح كذلك فعلا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث