فورين بوليسي: الطاغية الناشئ في أنقرة

فورين بوليسي: الطاغية الناشئ في أنقرة

واشنطن – قالت مجلة فورين بوليسي الأمريكي إنه لا يمكن إنكار الموهبة السياسية لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أو الدعم الشعبي الواسع الذي يتمتع به، ولكن تحت حكم هذا القائد ذو الشخصية الجذابة، تخوض تركيا تجربة خطيرة لتقويض الحقوق الأساسية وسيادة القانون.

فقد أطلقت فضيحة الفساد الكبرى العنان لردود فعل استبدادية من قبل أردوغان، أسفرت عن تقويض أسس الديمقراطية في تركيا.

ويستطيع أردوغان التباهي بتحسين الاقتصاد والحياة السياسية في البلاد خلال حكم حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي دام لـ11 عاماً.

فقد تراجعت حدة قمع الحكومة للتمرد الكردي, وشرعت في محادثات لإنهاء الصراع واحترام الحقوق الثقافية للأقلية الكردية الكبيرة في البلاد.

كما عززت حكومته الحرية الدينية الممنوحة للأغلبية السنية: حيث أُزيل الحظر على ارتداء النساء الحجاب في الوظائف العامة والجامعات من دون فرض أشكال أشد من الحكم الإسلامي.

وتشير المجلة إلى أن الدليل الأبرز على تراجع الحريات في تركيا ظهر قبل عام خلال احتجاجات حديقة جيزي، والتي تعامل معها أردوغان كإهانة شخصية.

حيث نظر إليها كتمرد من قبل النخبة الحضرية وزعم أنها جزء من مؤامرة دولية للإطاحة بالأغلبية المحافظة من السلطة.

ولم تقتصر حملة قمع أردوغان على المتظاهرين فحسب، بل امتدت إلى المحققين داخل مؤسسات الدولة الذين كشفوا النقاب في ديسمبر الماضي عن أدلة على تورط حكومته في قضايا فساد.

وتعكس استجابة أردوغان لتحقيق الفساد مدى نفوذه وتجاهله للضمانات الأساسية للمجتمع الديمقراطي، فسرعان ما تدخل لسحق التحقيق وأمر بنقل الآلاف من ضباط الشرطة والمئات من القضاة وأعضاء النيابة العامة من مناصبهم وإخضاع المدعين الذين بدأوا تحقيق الفساد نفسه للتحقيق.

وترى المجلة أن أردوغان ينظر إلى تأييده الانتخابي الكبير كمبرر للقيام بمثل هذه التحركات القمعية، فربما يعتقد أن الشعب على استعداد للتغاضي عن الفسادولكن هذا يثير افتراض أن مزاعم الفساد بُثت علناً على الشعب، ولكن الأجهزة الرقابية الموالية لأردوغان حالت دون ذلك.

وفي حياكة دعواه بشأن مؤامرة الإطاحة بحكومته، اتهم أردوغان حليفه السابق, فتح الله غولن، بقيادة المؤامرة. وقام أنصار غولن في تركيا بدور رئيسي في ترسيخ سيطرة حكومة أردوغان على الجيش عندما كانوا ما يزالون حلفاء، ولكن تزايدت الصدوع في هذا التحالف بين أنصار غولن وحزب العدالة والتنمية خلال السنوات الماضية.

إذ استاء بعض أنصار غولن من مفاوضات أردوغان مع حزب العمال الكردستاني المتمرد، ومضوا في عام 2012 إلى التحقيق مع مبعوثي أردوغان لحزب العمال بتهمة الخيانة والتعاون مع الإرهابيين.

وبدوره، لجأ أردوغان إلى مهاجمة واحد من أهم مصادر النفوذ والتمويل لأنصار غولن من خلال اقتراح إغلاق المدارس الابتدائية والإعدادية الخاصة التي يسيطر أنصار غولن على نسبة كبيرة منها، ثم اتهمهم بتدبير تحقيقات الفساد وصياغة مؤامرة دولية ضده.

وتقول المجلة إن أردوغان يقيم الآن خياراته السياسية. فما يزال من المحتمل أن يترشح لمنصب الرئاسة على الرغم من تعثر جهوده لتمرير إصلاحات دستورية من شأنها أن تؤدى إلى نظام رئاسي ذي صلاحيات كاملة.

وقد اكتسب أردوغان الكثير من المعارضين على مدى السنوات التي قضاها في الحكم. وتشير المجلة إلى أن أي زعيم ديمقراطي سيحترم هذا الواقع ويعترف بأن ديمقراطية بلده أكثر أهمية من مساره السياسي الشخصي، ويدرك أن تقويض المؤسسات الديمقراطية سيخلق مواقف تهدده هو وأتباعه وتقودهم خارج أروقة السلطة.

ولكن أردوغان يخلط على ما يبدو بين مستقبله السياسي ومصلحة بلاده. وتوضح المجلة أن الأمرين كانا يسيران جنباً إلى جنب خلال معظم العقد الماضي، ولكن السلوك الاستبدادي المتزايد لأردوغان حل محل الجيش بوصفه أكبر تهديد لفرص بقاء تركيا كدولة ديمقراطية تحترم الحقوق.

وتتجاوز المخاطر المترتبة على ذلك حدود تركيا، فقد تحدى نجاح أردوغان في مزج الديمقراطية والإسلام السياسي المزاعم القائلة بأنه من المستحيل الجمع بينهما، وكانت تركيا منارة للأمل في الديمقراطية بدءاً من دول آسيا الوسطى إلى الدول العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ولكن هذه الرؤى المتعلقة بالقيادة التركية قد تلاشت على ما يبدو في ظل السياسات الاستبدادية التي يمارسها أردوغان. وتختتم المجلة بالإشارة إلى أنه من أجل شعب تركيا وشعوب المنطقة التي ما تزال تنظر بأمل إلى أنقرة، يحتاج أردوغان بشدة إلى الالتزام بحقوق الإنسان وسيادة القانون.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث