المجتمع الروسي يفقد ثقته بالغرب

المجتمع الروسي يفقد ثقته بالغرب
المصدر: إرم- (خاص) من مدني قصري

قالت صحيفة لوموند الفرنسية في تحليل لها “هل الرئيس بوتين هو روسيا؟ نظريًا، نقول لا! وواقعيًا نقول نعم! التشخيصُ المفرط صار في السياسة الدولية ظاهرةً متفاقمة حتمًا، بحكم هذا الجمع الضيق، في نظام ما زال التداول الديمقراطي فيه لم يدخل بعدُ في التقاليد السياسية.

ويوضّخ هذا التشخيص أيضًا الإفراطات التي ترافق في غالب الأحيان، التحليلات السياسية الغربية التي يغذيها العنفُ الذي صاحب ضمَّ القرم إلى روسيا.

لسنا بلا شك على عتبات عهد جديد لحرب باردة جديدة – اللفظ غير ملائم – لكن المناخ سيئ جدًا، والمسؤوليات مشتركة…لا محالة!

القرم مقاطعة روسية منذ زمن

القرمٌ، منذ وقت طويل، مقاطعة روسية، ولذا لا مبرّر للاحتجاج على دور روسيا فيها، وعلى قاعدتها العسكرية “سيباستوبول”.

لم تعترض الدبلوماسية الأوروبية على مطامع روسيا في منطقة يحكمها وضْعٌ جد خاص في قلب أوكرانيا، لذلك كان إرسال قواتٍ، وضمُّ الإقليم بالفعل، عنيفَين بلا داعٍ، مثلما لم تكن أعمال الأسابيع الأخيرة العسكرية تبرّر مثل ذلك العنف.

إنها تنمّ عن رؤية للعالم، غير متناسقة مع الحقائق، ولاسيما مع الحقائق الجيوسياسية، لعصر ما بعد الامبراطورية السوفياتية، وهي الرؤية التي تفضل القوة الصرفة، على حد تعبير أحد الضباط الابقين في الكا.جي.بي.

لأن بوتين لم ينشئْ قواعد لثروةٍ و لقوةٍ روسيّتين دائمتين، فقوة روسيا مستقبلا تمر عن طريق الحرية الاقتصادية، والتجديد، والتكامل مع الاقتصاد العالمي، وبروز مجموعات صناعية تنشأ عن طريق المقاولات.

والحال أنه من مصلحة شاب روسي موهوب، أن يعيش حياته، في ظل اللا أمن القانوني، والاختناق السياسي السائدين، في مكان آخر. أما عن ثقل الدولة في الاقتصاد والرؤية الجيوسياسية الكاسحة التي تدعمه، فهما ثقل ورؤية “كاريكاتوريان” ليس إلا.

مكسب جديد لشعبية بوتين

ومع ذلك، فكل ما يفعله بوتين أنه يعبّر عن شعورٍ عميق لدى الروس: تراجعٌ ديموغرافي، وقلقٌ، وفقدانٌ للهيبة، ونقصٌ في الثقة تجاه الغربيين الذين ارتكبوا خطأ فادحًا عندما وسّعوا حلف شمال الأطلسي العام 1994، بدلا من أن يبتكروا رسمًا جديدًا له منذ العام 1991.

فلا شك أن الهيمنة الأمريكية على أوروبا المقسمة تجعل مخاوف الروس مشروعة، وأعمالَهم حاسمة، للحفاظ على القرم في الحضن الوطني… فمثلما لم يفهم الأوروبيون جورج بوش الابن، الذي كان يجسّد عقلا أمريكيا حقيقيًا، لم يستطع هؤلاء الأوروبيون أيضًا أن يفهموا بوتين.

حققت قضية القرم مكسبًا جديدًا لشعبية بوتين، لأن هذه القضية تستجيب لكرامة الروسي التي جُرِّحت أيما تجريح، فلا جدال في أن بوتين على حقّ في استعادة القرم من أيدي أوكرانيا التي لم تعد خياراتُها المستقبلية واضحة، والتي لو لم يأت ضمُّها الآن لكان من الصعوبة بمكانٍ استردادها في المستقبل.

وبوتين على صواب في أمور أخرى أيضًا، مثل سوريا، حيث يصبح الاحتفاظ بالنظام فيما وراء المصالح العسكرية الروسية، هو أسوأ الحلول، لكن باستثناء الحلول الأخرى.

ففيما وراء سوريا تظل خارطة المنطقة، الممتدة لغاية كازاخستان، مرورا بحدود أوكرانيا، هي التي يمكن إعادة رسمها من جديد.

إنه الرهان الحقيقي للسنوات المقبلة، رهانٌ أكبرُ وأهمُّ من أن تظل أوروبا تتشاجر مع روسيا حول مواضيع ثانوية، أو مثيرة لسوء التفاهم، أو من أن تظل تُجهِد نفسها، عبثًا، في محاولة تغيير وتصحيح انحرافات السلطة الروسية.

حقوق يتقاسمها الجميع

توجّه لوموند قولها للفرنسيين؛ لا بد من أن نضع أنفسنا في مكان محدثنا، حتى نفهم رؤيته للأشياء، وحتى نكون في أفضل الأوضاع التي توصلنا إلى أهدافنا.

وعلينا أن نتفادى الأوضاع التي لا يسعنا الخروج منها؛ صحيح أن روسيا اخترقت القواعد التي التزمت بها فيما يتعلق بالحدود، لكن تصرفها لا يبرر أيَّ فعلٍ نحن في النهاية أعجزُ من أن نستطيع القيام به.

فالتصريحات المبدئية التي لا يعقبُها فعْلٌ ملموس هي التي تقوّض مصداقيتنا، مثلما كان الحال مع أوباما في سوريا.

فخيرٌ لنا أن نبني علاقةً تقرُّ منذ أول وهلة باختلاف وجهات النظر بيننا، لكنّ أوروبا لم تعد تملك من سياسةٍ روسية أكثر مما تملكه من سياسة في مجال الطاقة.

إنّ تعدد الفاعلين، وتنافس المؤسسات في الاتحاد الأوروبي، يجعلان انسجامنا أكثر تعقيدًا.

فلم تُحسِن فرنسا، مثلا، بناء وفاقٍ مع بولونيا، وسيفعل المحافظون الجدد في واشنطن، بمناوراتهم، ما لم يفعله الآخرون، حتى يثيروا مع الشعب الروسي، توترات لا طائل من ورائها، والحال أن الشعب الروسي حليفٌ موضوعيٌّ لأوروبا، أمام تحديات الزمن.

روسيا، هذه التي أعيد تشكيلها، والتي تخلّصت من عُقدها، والتي صارت قوية، لا غنًى لنا اليوم عنها، فممّا لا شك فيه أن الأساليب الروسية تبرر العقوبات المالية ضد بعض الشخصيات المهمة، لكن في الخصومات الحالية تصبح الأخطاء مشتركة ويتقاسمهما الخطاؤون جميعًا.

فبدلا من مفاقمة هذه الأخطاء ينبغي علينا أن نحدد مع روسيا المصالح الأساسية التي تحرص أوروبا على الحفاظ عليها، من آسيا الوسطى إلى مصر، مرورًا بالخليج العربي الفارسي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث