بركات الفوضى الخلاقة

بركات الفوضى الخلاقة

بركات الفوضى الخلاقة

تاج الدين عبد الحق

على طريقة إذا  قالت حذامي فصدقوها، فإن القول ما قالت حذامي، نقول إذا قالت اسرائيل فصدقوها فإن القول ما قالت إسرائيل… وإسرائيل قالت بلسان مندوبها في الأمم المتحدة، أنها مع رحيل بشار الأسد. وهذا بالتجربة، يعني أن الرحيل بات حتميا.

 

الجديد في الموضوع أن الموقف الإسرائيلي، أتى بعد أيام قليلة من الاتفاق على تجريد سوريا من سلاحها الكيماوي، وتوقيع دمشق على اتفاقية حظر هذه الأسلحة،  في التزام مفتوح، لا يخل بالتوزان الاستراتيجي مع إسرائيل حاليا، بل يعني أيضا قطع الطريق أمام أية محاولات للوصول إلى مثل هذا التوازن في المستقبل.

 

والواضح أن اسرائيل، التي ظهرت بمظهر من ينأى بنفسه عما يجري في سوريا،  ترى اليوم  أن دور بشار الأسد انتهى، ولم يعد له مكان في خارطة المنطقة بعد نزع أنيابه الكيماوية، وهو لم يعد قادرا على حماية نفسه،ناهيك عن ضمان الهدوء،  على الحدود الذي تمتعت به إسرائيل لأكثر من أربعين عاما.

 

 والظاهر أيضا،  أن اسرائيل تعلم ما لم نعلم،  عن المبادرة الروسية،  وأن موقفها الجديد مبني على معلومات دقيقة  وجديدة ، تجعلها تتخلى عن  الصمت،  والحياد الذي وقفته من الأزمة السورية طوال الفترة الماضية.

 

وإذا صحت تقديرات المحللين، فإن اسرائيل التي كانت أكثر المستفيدين من مبادرة نزع الكيماوي، تفترض الآن أن رحيل الاسد، هو بداية النهاية لحزب الله، الذي نظرت إليه تل ابيب على أنه الخندق المتقدم لإيران. وهذه النهاية لن تسطرها اسرائيل، لكنها ستراقبها من بعد. فأطراف الحرب المقبلة مع حزب الله كثر،  من داخل لبنان،  وعبر الحدود، ونذر هذه الحرب قائمة من الآن، وملامحها واضحة للعيان.

 

وعندما تقول اسرائيل اليوم،   أنها تفضل رحيل بشار الاسد، حتى لو تسلمت القاعدة مقاليد الامور في سوريا،   فإنها تدرك أن هذا يقربها من تصفية آخر معاقل التهديد على حدودها، دون أن تتحمل كلفة هذه التصفية. فما بين القاعدة وما يرتبط بها من مجموعات مسلحة من جهة،  وحزب الله من جهة ثانية،  ما صنع الحداد. والصدام القائم الآن بينهما،  هو صدام وجود، وآفاقه وآثاره المدمرة على الطرفين بلا حدود.  

 

إيران  التي كانت  تلتزم دائما بدعم حزب الله،  والدفاع عنه، بل والتورط بحرب من أجله، ستكون يدها مغلولة،  في حرب ميلشيات من هذا النوع، وهي في أفضل الأحوال عامل تمويل وإمداد.  فما دامت إسرائيل بعيدة عن التدخل المباشر في مثل هذه الحرب، فإن إيران لن يكون بمقدورها هي الأخرى التدخل،  خاصة إذا امتدت ساحة  الحرب إلى لبنان  التي لن يسمح فيها لإيران أن تلعب الدور الذي لعبته في سوريا.

 

في مثل هذه الحرب ستفقد إيران حليفا كانت تدخره للرد على أي ضربة،  قد توجهها إسرائيل لمشروعها النووي. صحيح أن ايران تملك قوة صاروخية قادرة على الوصول لتل ابيب، لكن حزب الله  كان يمثل تهديدا مباشرا، تتردد إسرائيل بسببه من الدخول في حرب مفتوحة  مع إيران، وبالتالي فإن تصفية قوة الحزب أو تحجيمها  يمكن أن يسهل لإسرائيل فرصة  الانفراد بإيران،ويمهد لأية مواجهة محتملة معها،وبكلفة سياسية ومادية أقل، ونتائج أشمل.

 

اسرائيل بعد نزع السلاح الكيماوي في سوريا بدون حرب، وبأيدي الآخرين تتجه اليوم  لنزع سلاح حزب الله، أو تدميره بأيدي الآخرين وبدون حرب أيضا، مستفيدة من أجواء  وثمار الفوضى الخلاقة التي تنزل بركاتها، في كل مرة بردا وسلاما على إسرائيل.

 

 

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث