فتاوى حسب الموضة وتحاليل حسب الطلب

فتاوى حسب الموضة وتحاليل حسب الطلب

فتاوى حسب الموضة وتحاليل حسب الطلب

تاج الدين عبد الحق 

 

الآن، اكتشفنا أن السلاح الكيماوي هو عبء على من يملكه، وأن التخلص منه هو الحكمة بعينها، وأن الموافقة السريعة للنظام السوري على تسليم، وتدمير هذا  السلاح، ينم عن حصافة سياسية، وبعد نظر،  وأن القرار، بتوقيته وشكله،  جنب سوريا ضربة عسكرية مدمرة.

 

لكن أين كنا من كل ذلك،  ونحن نخزن وننتج تلك الأسلحة. وكيف نفسر لجيل كامل حرم من أبسط مقومات العيش الكريم مآل ما صرف عليها،  استعدادا لمعركة التحرير ,وإعدادا وتحضيرا لاحتياجاتها؟. ومن يحاسب هؤلاء المنظرين الذين أفتوا بالسلاح الكيماوي كضرورة من ضرورات التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل؟،  وكتعبير من تعبيرات الممانعة والمقاومة لها .

 

اليوم يتحدث هؤلاء المنظرون  بلا خجل، وعلى طريقة أصحاب الفتاوى  الدينية، إياها،  المفصلة حسب المقاس،  وحسب الموضة،  عن انتصارالكف على المخرز،  والحكمة على السيف، والمهارة السياسية على القوة الغاشمة.

 

 لا يتحدثون  هنا عن المهارة في إدارة الأزمة، بل في كيفية نجاح النظام السوري في  الخروج من عنق الزجاجة، والإفلات من التبعات المباشرة للأزمة،  وكأنه كان  الهدف الأسمى،  والغاية الكبرى. لا يتحدثون  عن الروس الذين نجحوا في إدارة الأزمة بما يتفق مع مكانتهم الدولية ومصالحهم الاقليمية،  ولكنهم يتحدثون عن سوريا النظام  باعتباره   الرابح  الأكبر فيها.  لا يتحدثون عمن دفع الثمن، ولمن ، وبأية وسيلة، ويعتبرون أن بقاء واستمرار النظام،  هو أغلى من أي ثمن، وأسمى من أي هدف.

  الكل يعلم أن موسكو التي  ساندت  النظام السوري طوال العامين الماضيين، استطاعت عن طريق مبادرتها تجنب خسارة  سياسية ومعنوية محققة، لو وقعت الضربة العسكرية الامريكية على سوريا. فهي لم تكن لترد على الضربة فيما لو تمت،  ولم تكن في وارد المواجهة  فيما لو حدثت. تصرفت كدولة كبرى تحكمها مصالحها الوطنية لا صداقاتها،  وتحركت  وفق أولوياتها، وقناعاتها، لاوفق  أولويات  وقناعات من يستقوي بها،  أو يتكيء عليها. 

 

موسكو دخلت الأزمة  باعتبارها شريكة  في الحل لا كجزء منها. والفرق هنا واضح، خاصة وأنها تحاول تكريس الانطباع بأنها تستعيد دورها كقوة عظمى،  ومكانتها كقطب سياسي. الإنجاز الروسي هو إنجاز لروسيا ولا يمكن اعتباره إنجازا لنظام بشار الأسد، و الذين قدموا صكوك الغفران السياسي للنظام السوري، وهم يبررون خطوة التجرد من السلاح الكيماوي،  تجنبوا  الحديث عمن دفع الثمن، ومن الذي أكل الحصرم، ومن الذي ضرست أسنانه.

 

لم يعترف أصحاب الفتاوى السياسية أن ثمن الاتفاق كان سوريا بامتياز. وأن النظام لم يكن سوى أداته  التنفيذ ية ، وأن المعارضة لم تكن إلا ضحيته المباشرة .

 

النظام السوري الذي اعتاد أن يختزل الوطن  بالأشخاص ، يجد في الاتفاق، فرصة لشراء الوقت الذي يمكنه من الإفلات من العقاب أو البحث عن ملجأ، فيما المعارضة تجد فيه إطالة للمعاناةالإنسانية ،  ولمسلسل النزف السوري،  والتحول عن هذا النزف، باعتباره أساس المشكلة وبؤرتها،  إلى التركيز على  قضية نزع الأسلحة الكيماوية، في عملية قد  تطول، مرة باسم حصر هذا السلاح،  ومرة باسم نقله أو تدميره،  ومره باسم التحقق من وجوده  وعمليات البحث عنه،  والتفتيش عليه.

 

في قضية الكيماوي السوري لا يختلف أصحاب التحاليل السياسية عن أصحاب الفتاوى الدينية فهؤلاء يكفرون الناس حسب  الرغبة والهوى،  وأولئك يمنحونهم صكوك غفران سياسية حسب  الطلب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث